ليس كل ما يرفضه المجتمع خطأ، وليس كل ما يقبله المجتمع صوابا. فهناك عادات تعيش عشرات السنين، لكنها تبقى مجرد أحكام مسبقة تتوارثها الأجيال دون أن تسأل: هل هي عادلة؟ وهل تحترم الإنسان؟. إذا أحببت امرأة مطلقة أو أرملة، فلا تجعل خوفك من كلام الناس أقوى من قناعتك. المشكلة ليست في كونها مرت بتجربة زواج سابقة، بل في عقلية تختزل الإنسان في ماضيه، وتتعامل مع المرأة وكأن قيمتها تنخفض لأنها خاضت تجربة لم تكتمل. هذه ليست ثقافة عدل، بل ثقافة أحكام جاهزة.
المؤسف أن كثيرا من الشباب لا يتراجع عن قراره لأن المرأة لا تناسبه، بل لأنه يخشى نظرة المجتمع أو تعليقات الأقارب والأصدقاء. وهنا تتحول حياته إلى مشروع يدار برأي الآخرين، لا بقناعته الشخصية. ومن يعيش لإرضاء الناس سيكتشف متأخرا أن رضاهم غاية لا تدرك، وأنهم أول من ينتقده مهما فعل.الأرملة ليست مسؤولة عن وفاة زوجها، والمطلقة ليست دائما سببا في انتهاء زواجها. لكل إنسان ظروفه وقصته، والعدل يقتضي أن نحكم على الأشخاص بأخلاقهم وسلوكهم، لا بعناوين اجتماعية ألصقت بهم. كم من زواج أول انتهى بالفشل، وكم من زواج ثان كان أكثر استقرارا ونجاحا. الحياة لا تقاس بعدد الفرص، بل بحسن الاختيار.
المجتمع الذي يطالب الشباب بالزواج، ثم يضيق خياراتهم بسبب أفكار قديمة، هو مجتمع يصنع التناقض بيده. يطالب بالعفة والاستقرار، لكنه يضع عراقيل أمام أشخاص يستحقون فرصة جديدة لبناء حياة كريمة. والأخطر من ذلك أنه يكرس ثقافة الوصمة بدلا من ثقافة الإنصاف.قوة الشخصية لا تعني التمرد على المجتمع في كل شيء، وإنما تعني أن تمتلك استقلالا فكريا يجعلك تميز بين النصيحة الصادقة والضغط الاجتماعي، وبين الحكمة والعادة، وبين الدين وما أضافته الأعراف إليه دون دليل. إذا وجدت في شريكة حياتك الاحترام، والأمان، والتفاهم، وحسن الخلق، فلا تجعل كلمة مطلقة أو أرملة حاجزا بينك وبين سعادتك. فالحياة الزوجية تبنى على الثقة والرحمة وتحمل المسؤولية، لا على إرضاء الناس أو كسب إعجابهم.
تذكر دائما أن المجتمع سيعلق على قرارك أيا كان. إن تزوجت ممن تحب تحدثوا، وإن لم تتزوج تحدثوا، وإن نجح زواجك بحثوا عن عيب، وإن فشل قالوا إنهم كانوا يعلمون. لذلك لا تمنح الآخرين حق كتابة مستقبلك، ثم تندم لأنك عشت حياتك وفق توقعاتهم لا وفق قناعتك.
جرعة وعي المجتمعات لا تتقدم عندما تغير قوانينها فقط، بل عندما تتخلى عن الأحكام المسبقة التي تحاكم الإنسان بماضيه، وتبدأ في احترامه بما هو عليه اليوم.
#زكريا_نمر