الجميع يريد أن تتحارب السعودية مع الحوثيين… ما عدا السعودية

قبل ساعة


عبدالقادر الجنيد
بقلم: عبدالقادر الجنيد
ارشيف الكاتب

هناك حرب من جديد "فوق" اليمن.

هناك طرف يحاول الهروب من فخ الحرب، بينما يُساق إليها بسلسلة من الاستفزازات والحسابات الإقليمية.


--

أولا: حرب غريبة في بلاد لا تهدأ

--


هذه أغرب حرب… وقد تأخرت كثيرا عن ميعادها.


كنا نراها قادمة وقد احتاجت مرور بعض الوقت لتختار إيران "التوقيت" المناسب لاندلاعها.


حرب غريبة تدور في اليمن بدون اليمنيين.

نحن غرباء سواء كنا في ديارنا أو في بلاد الله الواسعة.

وفوق رؤوسنا ٨ رؤساء غريبون ومغتربون يهللون للحرب من بلاد الغربة والاغتراب.


وسوف تستمر هذه الحرب وتتصاعد.


وقد يتجرجر اليمنيون في "التوقيت" المناسب إلى داخلها، بدون رؤية واحدة ولا وحدة مجتمعية ولا جيش واحد ،

… أو يستمروا بالفرجة والتحليل والتصفيق والتهليل داخل "التيه العظيم".


--

ثانيا: الجميع يريد أن تتحارب السعودية مع الحوثية

--


الأغنياء، لا يحاربون.

السعودية، غنية وثرية ولا تريد الحرب ولكن كل من حولها يدفعونها نحو الحرب.


١-إيران:

-

هي التي خططت لهذه الحرب كجزء من حربها مع أمريكا، وقد تكتكت لها "خطوة خطوة" وهيأت لها بعناية لتندلع.

ونحن قد كتبنا تفاصيل كل خطوة، خطوة خطوة، في الفترة الماضية.


إيران لا تريد خروج النفط السعودي من ميناء ينبع ولا من مضيق باب المندب لأن هذا ينقذ ترامب من ورطته مع الاقتصاد العالمي.

ولا تمانع حتى من أن يتفاقم الصراع ويتطور إلى ضرب منشآت أرامكو النفطية داخل السعودية.


٢- الحوثيون:

-

يطلبون هذه الحرب ويأملون بأن يكونوا هم الرابح الأكبر لأنهم أداتها على الأرض.


الحوثي، يرى أن ميعاد الحصاد وقطف الثمار قد اقترب.


الحوثي، لن يسمح لهذه الحرب أن تخمد إلا بثمن مرتفع.

الثمن المرتفع، لن تقبله السعودية لأنه هزيمة واضحة ماحقة.

وهكذا سيظل الحوثي يبحث عن الثمن المرتفع وسوف تبقى السعودية تحاول تجنب الهزيمة.


٣- شرعية اليمن:

-

تظن أن أسهمها سترتفع عند السعودية بالرغم من أنها "شاهد ما شافش حاجة"، وبدون عاصمة ولا قيادة، ولن تستفيد من الحرب مادامت غريبة الديار ومهاجرة في الشمال.


٤- شعب اليمن:

-

قطاع واسع من اليمنيين مبتهج بهذه الحرب، كالتائه العاطش في الصحراء يرى اللون الأزرق من انعكاس الضوء في الأفق ويظنه بحيرة تروي العطشان، وهي مجرد سراب.


٥- اسرائيل:

-

تتمنى هذه الحرب من زمان في الليل والنهار فهذا يجعل من أهم دولة عربية وإسلامية- السعودية- في نفس اصطفافات تل أبيب.

هذه أغلى الأماني.


انخراط السعودية في الحرب يخدم العديد من المصالح الأمريكية والإسرائيلية.


٦- أمريكا وترامب بالذات:

-

بعد إيران، يأتي ترامب كأكبر متحمس لانغماس السعودية في حرب.

انغماس السعودية في الحرب، سوف يجبرها على تمويل ترامب وتغطي نفقات حربه مع إيران بالإضافة لتحقيق نفس مآرب وأغراض اسرائيل.


ترامب لن يحمي السعودية، ويريدها أن تجرب حظها مع الحوثيين وحدها، وسوف يزودها بتصريحات التأييد.


ترامب، معه مدمرة واحدة في البحر الأحمر.

كل مدمراته ال١٦ الباقية وحاملات الطائرات في بحر العرب أو مرابضة أمام خليج هرمز لمحاصرة موانئ إيران.

حتى لو أراد ترامب مساعدة السعودية، فسوف يتوجب عليه إحضار إمدادات من أماكن أخرى.

ولم يصدر عن البيت الأبيض أي تصريح حتى كتابة هذه الكلمات عن النية بمساعدة السعودية ضد الحوثية.


ولكن ماذا عن السعودية وهذه الحرب التي اندلعت بينها وبين الحوثيين؟


--

ثالثا: السعودية لا تريد محاربة الحوثية ولكنها قد انزلقت

--


ليس عندنا أي شك أن السعودية تكره الحوثيين.

هذا أمر سيظل وسيستمر حتى ولو تصالحوا.


السعودية هي التي مولَّت الرئيس صالح في حروبه على الحوثيين في صعدة لأنها لا تريد مثل هذه الأشياء على حدودها.

وصحيح أن السعودية هي التي شنت عاصفة الحزم وابتدأت حرب اليمن قبل ١١ سنة، بعد ٦ شهور من اقتحامهم العاصمة صنعاء.

لكن السعودية أدركت أنها غطست في مستنقع… وقررت أن تخرج.


ونحن نشهد بأن السعودية، قد أخرجت نفسها من محاربة الحوثيين والإيرانيين بمجهود عظيم.


في الحقيقة كانت إيران تريد حربا كبرى في ٢٠١٩ عندما قصفت منشآت أرامكو النفطية في البقيق وخريص، ولكن المملكة تحملت الألم بصمت.

ولم يساعدها عندئذ ترامب في فترة رئاسته الأولى.


الحرب التي لم تستطع إيران فرضها على السعودية عام ٢٠١٩ عبر البقيق، تحاول فرضها عليها اليوم عبر باب المندب.


السعودية، لم تنزلق يوم أمس عن عبث ولكن بعد أن استنفدت كل الحلول التي تنجيها وحدها وليس بالضرورة التي تنجي اليمن.

كونها تدخل هذه الحرب مضطرة لا يعني أنها قد أصبحت جيدة أو أنه يعفيها من تسمية الانزلاق.


نحن نشهد بأن السعودية قد "شربت الكأس المر"، وقررت إنهاء حرب اليمن.

هكذا صدمتنا الرياض بأفعال مذهلة وهي تشرب "الكأس المر" رشفة رشفة:


(١) لقاء بغداد:

تفاوضت مخابرات السعودية مع مخابرات إيران- سرا- في بغداد.


(٢) صلح الصين العظيم:

تصالحت السعودية مع إيران- علنا- في الصين.


(٣) زيارة السفير:

زار السفير السعودي آل جابر الحوثيين في عقر دارهم وتحمل ضيافتهم ولطافتهم المغموسة بالدغزات والوخزات.


(٤) الحج والصرخة والعطايا:

استضافت السعودية الحوثيين وتحملت هتافاتهم وهم يؤدون فريضة الحج ويسعون بين الصفا والمروة وهم يهتفون بصرخة الخميني الإيرانية في مكة الكرمة.

هذه كلها أشياء من المحرمات داخل المملكة.

ولكن الحفاوة السعودية استمرت بجانب الكرم والإغداق بالهبات والعطايا.


(٥) خارطة الطريق:

تفاوضت السعودية مع الحوثيين سرا في اكتوبر ٢٠٢٣ وتوصلوا ل "خارطة طريق".

خارطة الطريق، هي "آفة الأوافي" لأنها تمحي فكرة الشرعية وتلغي المرجعيات الثلاث وتحفظ للحوثي سلاحه وتملأ جيوبه بأموال المملكة لمدة ٣ سنوات تتعفن خلالها باقي القوى اليمنية وتتلاشى وتذروهم الرياح.


(٦) انتهى الأمر بالانزلاق من جديد:

-

وانتهت كل هذه الرشفات المتتابعة للكأس المر أو منقوع السم البطيء بانزلاق السعودية نحو الحرب من جديد، ولكن هذه المرة رغما عنها وبدون إرادتها.


"خارطة التهدئة" وصلت إلى جدار مسدود عندما ربط الحوثيون ملفات المنطقة (البحر الأحمر وغزة) بالضغط المباشر على السعودية.


نود أن نلفت الانتباه عند هذه النقطة، هو أننا- نحن عموم اليمنيين- ابتهجنا بوأد خارطة الطريق بينما كانت مازالت حية.


نجح الإيرانيون والحوثيون في المهمة.


--

رابعا: اليوم تعود حرب اليمن بدون اليمنيين

--

١- إنهم يرون متاعهم عند السعودية:

-

نعم الله كثيرة في السعودية، أماكن مقدسة، ونفط، وغاز، وازدهار.

إيران والحوثيون، يرون المملكة لقمة لذيذة وسائغة وقد حان وقت التهامها.

إيران والحوثيون ، يطلبون الحرب مع السعودية لأن عندها أشياء ثمينة يريدونها.

السعودية، لا تريد هذه الحرب لأن عندها أشياء ثمينة لا تريد أن تفقدها.


٢- الحوثي فقد الثمار ويريد استعادتها:

-

كان ثمرة انتصار الحوثي جاهزة للسقوط في أحضانه، لكنه قرر قطع الملاحة البحرية وأطلق المقذوفات نحو تل أبيب للمساندة في حرب غزة، وأضاع على نفسه ثمرة ناضجة في منتهى الحلاوة.


واليوم عاد يريد ثمرته الناضجة الحلوة من جديد من شجرة المملكة.

أجتمعت رغبته بالثمرة مع احتياج إيران لفتح جبهة جديدة مع أمريكا في مضيق باب المندب وفي ابتزاز أصدقاء وحلفاء أمريكا من دول الخليج العربية.


انتظرت السعودية نجاح ترامب بقصف الحوثيين وإنهائهم لمدة ٥٢ يوم، ولم تنزلق.

انتظرت السعودية نجاح اسرائيل بقصف الحوثيين واغتيال قادتهم، ولم تنزلق.


٣- نجاح إيران والحوثي بانزلاق السعودية:

-

استمر الحوثي باستفزاز السعودية حتى انزلقت.

أخيرا، انزلقت السعودية، يوم أمس ٢٤ يوليو ٢٠٢٦.

وها نحن، تعيش بلادنا برئاستها المغتربة حربا بين الحوثيين الذين يجعلوننا نشعر بالغربة في ديارنا ويدفعوننا للاغتراب بعيدا عن أوطاننا ويشعلون حربا مع البلد الذي يغترب إلى داخله معظم اليمنيين ويعيش من بقى بالداخل على ما يرسلونه لأهاليهم.


--

خامسا: أمن السعودية من أمن اليمن

--


نحن اليمنيون، قد فقدنا أمننا الشخصي وقد فقد وطننا اليمن الأمن.


أشقاؤنا السعوديون، يعيشون اليوم ذروة التهديد بفقدان الأمن في مملكتهم العظيمة.


الملك سلمان، هو الذي اختار بنفسه إسم "عاصفة الحزم" منذ ١١ سنه.

وهو الذي قال بأعظم تصريح كان يمكن أن يكون بداخله نجاة اليمن، وهو شعار:

"أمن اليمن من أمن السعودية وأمن السعودية من أمن اليمن".


لا يمكن لليمن أن يستعيد أمنه وعافيته أو يبني اقتصاده بمعزل عن مظلة جواره الخليجي والعربي.


لكن الطريق إلى أمن اليمن، من المستحيل أن يتحقق ب ٨ رؤساء مغتربين، بلا رئيس واحد، بلا جيش واحد، بلا قائد واحد، بلا دستور واحد، ولا بلا العاصمة عدن.


القيادات التي تصفق في الشتات، ليست قيادات.


غياب كل هذا، انزلق باليمن إلى هاوية أقسى وأشد إهلاكا من الحرب:

"هاوية تفسخ اليمن".


لا أمن لليمن إذا هي تَفَسَّخَت.


ولا أمن للسعودية إذا فقدت اليمن الأمن.


واستعادة أمن اليمن يبدأ بمركز قرار يمني واحد داخل اليمن.


عبدالقادر الجنيد

٢٥ يوليو ٢٠٢٦