ليست الدولة بعدد القرارات التي تصدرها، ولا بعدد الرسوم التي تفرضها، وإنما بقدرتها على تخفيف معاناة مواطنيها وصون كرامتهم. أما حين تتحول مؤسساتها إلى أدوات لتحصيل الجبايات، بينما تتراجع الخدمات الأساسية، فإنها تفقد أهم مبررات وجودها.
اليوم يجد المواطن نفسه محاصراً بشروط وإجراءات لا تراعي واقعه الاقتصادي ولا ظروفه المعيشية. متقاعد لا يتجاوز راتبه ثلاثين ألف ريال يُطلب منه استخراج بطاقة إلكترونية تكلفه ما يعادل راتبه أو أكثر. وأسرة تُحرم من استكمال إجراءات استخراج شهادة ميلاد طفلها لأن أحد الوالدين لا يمتلك البطاقة الإلكترونية، رغم امتلاكه وثائق رسمية أخرى تثبت هويته. ومغترب يعمل خارج البلاد، لا يستطيع العودة لاستخراج البطاقة، فتتعطل مصالح أسرته ويصبح طفله رهينة لإجراءات بيروقراطية لا تعرف معنى الضرورة أو الإنسانية.
أي إدارة هذه التي تجعل الوثيقة وسيلة لتعقيد حياة الناس بدلاً من تسهيلها؟
ثم يأتي السؤال الأكثر إيلاماً: ما قيمة بطاقة إلكترونية لا تُعترف بها في صنعاء، ولا يستطيع حاملها استخدامها للحصول على شريحة يمن موبايل، وهي شركة حكومية يفترض أن تقدم خدماتها لجميع المواطنين؟ إذا كانت الهوية الرسمية للدولة لا تُعتمد في جزء واسع من البلاد، فأين السيادة التي يتحدث عنها المسؤولون؟ وهل أصبحت السيادة مجرد شعارات إعلامية، بينما المواطن هو من يدفع الثمن في كل محطة؟
المفارقة أن الحكومة لا تتردد في استحداث الرسوم وتوسيع دائرة الجبايات، لكنها تتردد كثيراً في تقديم الخدمات التي ينتظرها المواطن منذ سنوات. المواطن يدفع في الجوازات، ويدفع في المرور، ويدفع في الموانئ، ويدفع في مختلف المعاملات، لكنه لا يرى كهرباء مستقرة، ولا مرتبات منتظمة، ولا خدمات توازي ما يُحصَّل منه من أموال.
لقد سئم الناس سياسة تحميل المواطن كلفة كل أزمة، بينما تغيب المحاسبة عن أداء المسؤولين. فالوزراء يتغيرون، لكن الأداء يبقى كما هو، والوجوه تتبدل، أما النتائج فلا تتغير. وكأن تدوير المناصب أصبح بديلاً عن إصلاح المؤسسات، وتبادل الكراسي بديلاً عن معالجة الانهيار الاقتصادي والخدمي.
بعد انتهاء حكومة المناصفة، لم يعد هناك متسع لتعليق الإخفاقات على الشركاء أو الخصوم السياسيين. اليوم أصبحت المسؤولية كاملة أمام الشعب، والشارع ينتظر إنجازاً حقيقياً لا مؤتمرات صحفية ولا بيانات إنشائية. فالمواطن يقيس الحكومات بما تقدمه له من خدمات، لا بما ترفعه من شعارات.
إن الحكومة التي تجعل الحصول على الهوية عبئاً، وتفرض الرسوم على الفقير قبل الغني، وتعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة، مطالبة قبل أي شيء بمراجعة أولوياتها. فالدولة التي تنجح في تحصيل الأموال وتفشل في تقديم الخدمات، تفتح الباب لفقدان ثقة مواطنيها، وهذه الخسارة أخطر من أي عجز مالي.
إن احترام المواطن يبدأ من احترام وقته وماله وحقوقه، لا بإغراقه في دوامة الإجراءات والرسوم. فالسلطة التي تريد كسب ثقة الناس لا تبنيها بالجبايات، بل بالعدالة، والكفاءة، والشفافية، وتحسين حياة المواطنين.
ويبقى السؤال الذي ينتظر اليمنيون إجابته: متى تتحول الحكومة من حكومة جبايات إلى حكومة خدمات؟
فهل يجوز لعنة هذي الحكومة من قبل شعبها