كيف أعادت مليشيا الحوثي بدعم إيراني
تشكيل معادلات الأمن الإقليمي والدولي .!
تكشف التطورات المتسارعة في البحر الأحمر
واستهداف السفن التجارية وناقلات النفط
أن الأزمة اليمنية دخلت مرحلة مختلفة جذريًا عن المراحل السابقة.
فلم يعد الصراع يدور حول السيطرة على السلطة داخل دولة تعاني الانقسام والانقلاب عليها
بل أصبح جزءًا من إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط .!
حيث تحولت الجغرافيا اليمنية إلى نقطة ارتكاز في صراع النفوذ الإقليمي
وأصبح البحر الأحمر أحد أهم ميادين المنافسة الجيوسياسية العالمية.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن جماعة الحوثي لم تعد مجرد حركة تمرد محلية
بل أصبحت فاعلًا مسلحًا عابرًا للحدود.
يعمل ضمن توافق استراتيجي مع المشروع الإيراني .
ويؤدي وظيفة تتجاوز المصالح اليمنية إلى التأثير في أمن الملاحة الدولية.
وسلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة وتوازنات الردع في الإقليم.
وبراي أن الخطر الحقيقي لا يكمن في القدرات العسكرية للجماعة وحدها
وإنما في تحول اليمن ذاته إلى منصة جيوسياسية تُدار من خلالها صراعات إقليمية.
بما أدى إلى تآكل مفهوم السيادة الوطنية.
وإعادة تعريف الأزمة اليمنية بوصفها قضية أمن إقليمي ودولي
لا مجرد نزاع داخلي.
أولًا: التحول البنيوي في طبيعة الأزمة اليمنية
يمكن تقسيم الأزمة اليمنية إلى ثلاث مراحل استراتيجية متعاقبة.
في المرحلة الأولى كان الصراع يدور حول السلطة والشرعية داخل الدولة اليمنية.
وفي المرحلة الثانية
تحولت الحرب إلى ساحة للتنافس الإقليمي وأصبحت اليمن جزءًا من معادلات الأمن الخليجي.
أما المرحلة الثالثة التي تبلورت بوضوح مع تصاعد الهجمات على الملاحة الدولية فقد نقلت اليمن إلى مستوى جديد
إذ أصبحت الجغرافيا اليمنية تؤثر مباشرة في الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحرية التجارة الدولية.
وبذلك لم تعد الأزمة تُقاس بحدودها الوطنية انما بقدرتها على إعادة تشكيل بيئة الأمن الدولي.
إن أخطر نتائج الحرب ليست انهيار مؤسسات الدولة فحسب وإنما انتقال جزء من الوظيفة الاستراتيجية للدولة إلى جماعة مسلحة غير خاضعة للمؤسسات الدستورية.
تمتلك القدرة على اتخاذ قرارات تؤثر في مصالح دول لا ترتبط بالنزاع اليمني مباشرة.
ثانيًا: إعادة تعريف المشروع الحوثي
يكشف تطور السلوك السياسي والعسكري للحوثيين أن الجماعة تجاوزت نموذج حركة التمردالتقليدية.
فهي لم تعد تسعى فقط إلى السيطرة على الإقليم أو فرض سلطة الأمر الواقع وإنما تعمل على إنتاج دور جيوسياسي يجعل بقاءها جزءًا من معادلات الأمن الإقليمي.
فكلما ارتفعت قدرتها على تهديد الملاحة الدولية ازدادت قيمتها الاستراتيجية بالنسبة للمشروع الإيراني
وارتفعت قدرتها على فرض نفسها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية.
وبهذا المعنى فإن القوة العسكرية للجماعة لم تعد وسيلة للسيطرة الداخلية فقط بل أصبحت أداة لإنتاج النفوذ الخارجي.
ثالثًا: العلاقة مع إيران من الدعم إلى التكامل الاستراتيجي
يميل كثير من التحليلات إلى اختزال العلاقة بين إيران والحوثيين في سؤال: من يصدر القرار؟
غير أن هذا السؤال لا يعكس طبيعة العلاقات الحديثة بين القوى الإقليمية ووكلائها.
ففي الأدبيات الاستراتيجية لا تُقاس العلاقة بوجود أوامر مباشرة، وإنما بمدى اندماج الفاعل المحلي في منظومة ردع إقليمية تقوم على وحدة الأهداف وتقاسم الوظائف وتكامل الأدوات.
وفي هذا السياق تبدو العلاقة أقرب إلى نموذج
(التكامل الاستراتيجي)
حيث توفر إيران الدعم العسكري والتقني والخبرات بينما يوفر الحوثيون موقعًا جغرافيًا فريدًا يتيح توسيع مجال الردع الإيراني من الخليج العربي إلى البحر الأحمر.
وبذلك يصبح أي تصعيد حوثي في الممرات البحرية جزءًا من بيئة ردع إقليمية أوسع
حتى وإن لم يكن كل تحرك نتيجة توجيه عملياتي مباشر.
رابعًا: اليمن بوصفه منصة لإعادة تشكيل الأمن البحري
تمثل السيطرة على أجزاء من الساحل الغربي اليمني قيمة استراتيجية استثنائية،
لأن اليمن يطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ومن هنا، فإن استخدام الأراضي اليمنية لتهديد السفن التجارية وناقلات النفط لا يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب عسكرية،انما إلى إعادة تعريف قواعد الأمن البحري.
لقد أصبح باب المندب أداة ضغط جيوسياسي
وليس مجرد مضيق ملاحي
وتحولت الهجمات البحرية إلى رسائل استراتيجية تستهدف رفع كلفة التجارة العالمية
وزيادة مخاطر النقل البحري، والتأثير في حسابات القوى الدولية.
وهذا ما يفسر اتساع الاهتمام الدولي بالأزمة اليمنية، باعتبارها أزمة تتجاوز حدود الدولة إلى النظام التجاري العالمي.
خامسًا: الاقتصاد الوطني كساحة رئيسية للصراع
لم تقتصر الحرب على المواجهة العسكرية
امتدت إلى البنية الاقتصادية للدولة.
فاستهداف موانئ تصدير النفط،
وتعطيل أهم مصادر النقد الأجنبي .
ونهب الإيرادات العامة
وفرض الجبايات
وإضعاف المؤسسات المالية
لم تكن ممارسات منفصلة
كانت ولازالت مكونات لاستراتيجية هدفت إلى إضعاف قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.
فكلما تراجعت قدرة الدولة على دفع الرواتب وتقديم الخدمات
ازداد اعتماد المجتمع على سلطات الأمر الواقع
وتوسعت قدرة الجماعة على إعادة تشكيل الاقتصاد بما يخدم استمرار الحرب.
وبذلك أصبح الاقتصاد سلاحًا سياسيًا لا يقل أهمية عن الصواريخ والطائرات المسيّرة.
سادسًا: إدارة الأزمة الإنسانية بوصفها أداة للهيمنة
تؤكد تجارب النزاعات المسلحة أن بعض الجماعات لا تسعى إلى إنهاء الأزمات الإنسانية بقدر ما تعمل على إدارتها بما يخدم بقاءها.
وفي الحالة اليمنية
أسهمت الحرب والانقسام المؤسسي
وتعطيل الموارد
والتدخل في إدارة المساعدات
في جعل الاحتياجات الأساسية للمواطنين جزءًا من معادلة السيطرة السياسية.
وعندما يصبح الوصول إلى الغذاء، أو الراتب، أو الوقود، أو الخدمات، مرتبطًا بموازين القوة،
فإن الأزمة الإنسانية تتحول من نتيجة للحرب إلى أحد أدوات إدارتها.
سابعًا: بين خطاب الحصار وواقع الأزمة
لا يمكن فهم الأزمة الإنسانية في اليمن من خلال خطاب أحادي.
فقد تأثرت البلاد بمجموعة من القيود العسكرية والاقتصادية المرتبطة بالحروف
في الوقت نفسه استمرت بعض المنافذ
مثل ميناء الحديدة،
في استقبال الواردات التجارية والمساعدات وفق ترتيبات أممية
كما استؤنفت الرحلات المدنية عبر مطار صنعاء ضمن تفاهمات إنسانية.
وفي المقابل
أسهمت سياسات داخلية شملت الانقسام المالي وتعطيل الموارد
والجبايات
والصراع على الإيرادات
في تعميق التدهور الاقتصادي.
ومن ثم، فإن أي مقاربة جادة للأزمة الإنسانية يجب أن تنظر إليها بوصفها نتيجة لتداخل عوامل متعددة
داخلية وخارجية.
ثامنًا: تداعيات الأزمة على النظام الإقليمي والدولي
أصبح اليمن اليوم عنصرًا مؤثرًا في معادلات تتجاوز حدوده تشمل أمن البحر الأحمر
وحركة التجارة العالمية، واستقرار أسواق الطاقة
وأمن الخليج العربي
والقرن الأفريقي
وقناة السويس.
ولهذا
فإن استمرار استخدام الأراضي اليمنية لتهديد الملاحة الدولية لا يمثل خطرًا على اليمن وحده، بل على منظومة الأمن الاقتصادي العالمي.
تاسعًا: السيناريوهات الاستراتيجية
السيناريو الأول يتمثل في استمرار الوضع القائم، بما يعني بقاء اليمن دولة منقسمة واستمرار التهديدات للملاحة
وتعميق الأزمة الإنسانية.
أما السيناريو الثاني فيقوم على احتواء التهديد البحري من خلال ترتيبات أمنية دولية،
دون معالجة جذور الأزمة داخل اليمن
وهو ما قد يحد من المخاطر الدولية لكنه سيُبقي أسباب الصراع قائمة.
أما السيناريو الثالث
والأكثر استدامة .!
فيتطلب استعادة الدولة لاحتكار استخدام القوة وإعادة بناء المؤسسات
وتحقيق تسوية سياسية شاملة،.!
مع تحييد اليمن عن صراعات المحاور الإقليميه .!
إن التحدي الحقيقي في اليمن لم يعد يقتصر على إنهاء المواجهات العسكرية
يتمثل في استعادة الدولة لوظيفتها السيادية ومنع استمرار تحويل أراضيها إلى منصة لتصفية الصراعات الإقليمية.
وتخلص هذه الورقة التي أعددتها
إلى أن استدامة السلام لا تتحقق عبر إدارة التهدئة
وإنما عبر معالجة الأسباب البنيوية التي سمحت بنشوء اقتصاد الحرب
وتآكل مؤسسات الدولة
وتداخل القرار الوطني مع الحسابات الإقليمية.
ومن دون إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس سيادة القانون واحتكار استخدام القوة واستقلال القرار الوطني .!
سيظل أي اتفاق سياسي عرضة للانهيار
وستبقى اليمن بؤرة مفتوحة لإعادة إنتاج الأزمات الإقليمية والدولية.
@nabilah Alhakimi