حين تتكلم تعز... زلزال الكرامة الذي يحرك المياه الراكدة

قبل 4 ساعات


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

من قلب المعاناة، ومن بين ثنايا حصارٍ طويل أنهك المدينة وأهلها، خرجت تعز يوم أمس الخميس لتقول كلمتها. لم يكن خروج الآلاف مجرد تجمع جماهيري عابر، بل كان تعبيرًا عن حالة وطنية تتجاوز التحشيد الممنهج وحدود الجغرافيا، ورسالة سياسية واضحة في لحظة فارقة من تاريخ اليمن.


حين تتكلم تعز، فإنها تستحضر موقعها في الوجدان اليمني كمدينة للوعي والثورة والجمهورية. لقد ظلت عبر تاريخها حاضنة للمشروع الوطني، وميدانًا للدفاع عن الدولة ومؤسساتها. ولهذا حمل خروجها دلالات عميقة تتجاوز حجم الحشد إلى مضمون الرسالة التي أرادت إيصالها للعالم.


لقد أعلنت الجماهير بوضوح تمسكها بمشروع الدولة، ودعمها الكامل للقيادة السياسية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي. ولم يكن هذا الاصطفاف مناطقيًا، بل جاء لأن خطاباته وتوجهاته الأخيرة لامست هموم الناس وتطلعاتهم، ولأن عافية اليمن لن تعود إلا بدولة قادرة على فرض سيادتها وحماية مواطنيها.


ولعل أكثر ما يميز رسالة تعز أنها جمعت بين الهم الوطني العام والوجع اليومي؛ فالمتظاهرون رفعوا شعار: "من تعز إلى السعودية: أمننا واحد ومصيرنا واحد". وطالبوا بإنهاء الحصار الجائر، والإسراع في معركة التحرير، مؤيدين قرار استئناف تصدير النفط كخطوة مسؤولة لاستعادة الموارد السيادية وحمايتها من ابتزاز المليشيات.


لقد أثبت أحد المتظاهرين الأحرار في ساحات المدينة، بكلماته العفوية الصادقة لوسائل الإعلام، أن تعز هي رائدة السلام، كاسرة قيود الظلام، وصانعة الحرية والتغيير. وحين تتحرك هذه المحافظة، فإنها تحرك كل المياه الراكدة في الجسد الوطني، بما تمتلكه من مخزون بشري وفكري قادر على قلب المعادلات السياسية والعسكرية.


حيث صدح ذلك المتظاهر المثقف الشاب بلسان حال الجميع قائلاً إنه «لم يعد هناك متسعٌ لأنصاف الحلول، ولا للقسمة على ثلاثة، ولا للارتهان لمجلس الأمن أو المبادرات العقيمة»؛ موجهاً رسالة واضحة إلى كل أصحاب «الأقلام السوداء المأجورة والأيادي المرتعشة» بأن تعز لا تقبل الالتفاف على تضحياتها، وأن الواجب الوطني المحتوم اليوم هو التلاحم والالتفاف الكامل خلف الرئيس والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية لحسم معركة استعادة الجمهورية.


لقد كان هذا الحشد نداءً حاراً وصريحاً إلى بقية المحافظات الحرة والمحررة؛ فالمعركة ليست معركة مدينة واحدة، بل معركة وطن بأكمله. وإن ما تتداعى له تعز اليوم هو ذاته الإيمان الراسخ في مأرب، وحضرموت، والمهرة، وسقطرى، وعدن الباسلة، وأبين، ولحج، وشبوة.


إن وحدة الموقف الشعبي، وخروج أبناء هذه المحافظات بحرية وعفوية، يختلف تماماً عن الحشود القسرية والممنهجة التي يشهدها ميدان السبعين في المناطق المغتصبة. هذا الخروج الطوعي خلف مشروع الدولة هو الصخرة التي ستتحطم عليها أوهام الكهنوت وأصحاب المشاريع الصغيرة.


أما الرسالة إلى مليشيا الحوثي، فهي أن سنوات الانقلاب، وتجريف التعليم، وتخريب النشء، وعسكرة البحر الأحمر لن تمنحها أي شرعية. لقد آن الأوان لتغادر هذه الجماعة زوايا العاصمة صنعاء الحبيبة؛ فالشعب الذي فجر ثورة السادس والعشرين من سبتمبر وعشق الحرية منذ طفولته، لن يطيق خرافة الحق الإلهي ولا لساعة واحدة بعد الآن.


لقد قالت تعز كلمتها، وأكدت مجدداً أن طريق الخلاص يبدأ من استعادة الدولة، وصيانة السيادة، ووحدة الصف الوطني.


جمعة مباركة على الجميع.