في لعبة المحاور الإقليمية المعقدة، حيث تتشابك المصالح وتتناقض المواقف، تقف السعودية اليوم أمام مرآة حساباتها الخاطئة في الملف اليمني، تدفع ثمن مغامراتها السياسية التي بدأت بخرق اتفاق الرياض، وانتهت بإخراج الخنجر من الغمد لتطعن به حلفاء الأمس، لتكتشف اليوم أنها أصبحت في مواجهة من آثرته على غيره.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كيف يمكن لدولة بحجم السعودية أن تتحول من ضامن لاتفاقية سلام إلى أول من ينقضها، ومن حليف للجنوب والإمارات إلى متآمر مع خصمهما اللدود، لتنتهي إلى مأزق لا تحسد عليه؟
عندما يصبح الضامن هو الخارق
اتفاق الرياض لم يكن مجرد وثيقة سياسية، بل كان اختباراً حقيقياً للنوايا السعودية تجاه الجنوب العربي. لكن الرياض، وبحساباتها الضيقة، رأت في تحرك القوات الجنوبية نحو حضرموت والمهرة تهديداً لأمنها القومي، متجاهلة أن هذا التحرك لم يكن إلا تنفيذاً لحرفية الاتفاق الذي وقّعته بنفسها! والأكثر إثارة للاستغراب أنها أطلقت اتهاماتها للإمارات بالتحريض، بينما كانت تدفع الحكومة الشرعية للمطالبة بخروج الأخيرة من الجنوب، في تناقض فضح ازدواجية المعايير السعودية.
وما قصف القوات الجنوبية وإخراجها بالقوة، وإيقاع مئات القتلى في صفوفها، إلا دليل على أن الرياض كانت تتعامل مع الجنوب كعدو وليس كشريك، متناسية أنها بذلك إنما تخدم أجندة الحوثي وإيران دون أن تدري.
الصمت المريب والتناقض المدوي
لمدة تزيد عن ست سنوات، ظلت السعودية متفرجة على خرق القوات الشمالية لاتفاق الرياض، مكتوفة الأيدي تجاه بقائها في حضرموت والمهرة، رغم أن الاتفاق نص بوضوح على نقلها إلى مأرب لمواجهة الحوثي. أليس من حق الجنوبيين أن يتساءلوا: لماذا تغض الطرف عن قوات موالية للإخوان والحوثي، وتنقض على القوات الجنوبية وكأنها العدو الأول؟
وعندما تأكد للمجتمع الدولي أن تلك القوات الشمالية باتت مصدراً لتهريب الأسلحة للحوثي وبؤرة للإرهاب، كان الجنوبي هو البطل المطلوب لمواجهة هذا الخطر، بالتعاون مع المجتمع الدولي. لكن الرياض، بدلاً من أن تشكر الجنوب على قيامه بهذه المهمة الشاقة، اختارت أن تقصفه وتعيد العجلة إلى الوراء.
صفقة مسقط السرية... انقلب السحر على الساحر
القفزة الأكبر في مسار الأخطاء السعودية كانت التنصل الكامل من اتفاق الرياض، واستبداله باتفاق مسقط السري مع الحوثي. كانت ثماره الأولى إخراج الإمارات من الجنوب، وقصف القوات الجنوبية، وإعادة القوات الشمالية الموالية للحوثي والإخوان إلى حضرموت والمهرة، فقط لضمان استمرار هيمنة الشمال على ثروات الجنوب النفطية والغازية، وإجهاض أي حلم باستعادة الدولة الجنوبية على حدود ما قبل 1990.
يا للهول! إنها تفضل العدو الصريح (الحوثي) على الحليف الاستراتيجي (الجنوب والإمارات)، ظناً منها أنها بذلك تشتري أمنها. لكن ما أسرع ما انقلب السحر على الساحر! فلم تمض أشهر قليلة حتى أصبح ذلك الحليف الذي فضلته الرياض في يناير هو الخطر الأكبر على أمنها القومي، لتجد نفسها اليوم تائهة، تحاول إصلاح ما أفسدته، متناسية القاعدة الذهبية: "ما بني على باطل وظلم لا يدوم".
هل من مخرج؟
اليوم، والسعودية تدرك حجم الفجوة التي أوقعت نفسها فيها، تتساءل: هل يمكن إصلاح ما انكسر؟ الحقيقة أن العودة إلى ما قبل قصف الطيران السعودي للقوات الجنوبية لم تعد مجرد أمنية، بل أصبحت ضرورة تفرضها المصالح المشتركة. لكنها تقتضي من الرياض خطوات ثابتة وواضحة:
· الاعتذار الصريح للجنوب والإمارات والرئيس عيدروس الزبيدي عما حدث.
· إعادة الأمور إلى طبيعتها وفق اتفاق الرياض، وإخراج القوات الشمالية من حضرموت والمهرة، وإعادة القوات الجنوبية.
· الاعتراف بالإعلان الدستوري للجنوب كخطوة تعيد الثقة المفقودة.
بدون هذه الخطوات الجريئة، ستظل المياه راكدة بين السعودية والجنوبيين والإمارات، وستظل الرياض أسيرة حساباتها الخاطئة، تدفع الثمن غالياً في مواجهة من كانت تظن أنها استبعدتهم بصفقة سرية واهية. فالسياسة ليست لعبة نزوة، وإنما فن تقدير العواقب، وهو ما يبدو أن الرياض بحاجة ماسة إلى تعلمه من جديد.
الصحفي صالح حقروص
2026/7/24م