مضت سنوات ونحن نُدير علاقتنا بالوطن والمؤسسات على قاعدة حسن الظن. كنا نرمم الشروخ الصغيرة ونعزوها إلى الظرف، ونؤجل النقد ونعلله بتوقيت غير مناسب، ونصمت على مواضع الخلل ونقول إن الغاية أكبر من التفاصيل. كان دافعنا صيانة البنيان، وخشيتنا أن ينقلب التقويم إلى هدم.
لكن التجربة تُعلم، والتاريخ يُوثق، والواقع لا يجامل.
والواقع أثبت أن ما تكرر لا يُفهم مصادفة، وأن ما استمر لا يُقرأ عجزاً، وأن ما حُجب لا يُبرر نسياناً. أثبت أن بعض القرارات تُتخذ في دوائر مغلقة ثم يُلتمس لها لاحقاً غلاف عام، وأن بعض التأجيل يُقدم للناس على أنه ضرورة وهو في جوهره خيار إداري وسياسي.
وعند هذه العتبة لم يعد مفيداً الكلام الملتف حول المعنى.
الأوطان لا تُدار بالأمنيات ولا بالمجاملات ولا بخطاب يُزين الواقع دون أن يغيره. الأوطان تُدار بالوضوح. تُدار حين يكون القرار معلناً لا مُستتراً، وحين يكون الحساب حاضراً لا مؤجلاً، وحين يكون تصحيح المسار ممارسة طبيعية لا تهمة تُشهر في وجه من يمارسها.
أنا لا أتحدث عن المثالية. أتحدث عن الحد الأدنى الذي تقوم عليه أي علاقة صحيحة بين الدولة ومواطنيها، وبين المؤسسة ومنسوبيها، وبين القيادة وقواعدها. أتحدث عن تطابق القول مع الفعل، وعن إدارة مكشوفة لا تُدار خلف ستار، وعن مساءلة تُطبق كأصل لا كاستثناء.
المعادلة واضحة ومباشرة: ثقة مقابل شفافية، صلاحية مقابل مساءلة، مشاركة مقابل شراكة حقيقية. فإن اختلت مرة، قُوّمت. وإن تحول الاختلال إلى نهج، فمن حق الإنسان أن يُعيد تقدير موقعه وأن يُراجع أسلوب تعامله.
الوطن لا ينهض بالتصفيق ولا بتجميل الصورة. ينهض حين نُسمي الأشياء بأسمائها، وحين يصبح تشخيص الخلل شجاعة وطنية لا تهمة، وحين لا يُقدم التبرير على العلاج، وحين لا يُرفع من يُجمل العجز ويُقصى من يدل على الداء.
ولذلك من الطبيعي أن ترى صمتاً ممن اعتاد الكلام، وبُعداً ممن كان قريباً، وحسماً ممن كان واسع الصدر. ليس هذا تبدل مزاج، هو حصاد تراكمي لسنوات من الصبر. هو لحظة وعي يقول فيها الإنسان لنفسه: لن أمنح وقتي وصبرى وثقتي بلا ضوابط، ولن أقبل أن يكون الوضوح مطلباً نؤجله إلى ما بعد الأزمة.
أنا لا أخاصم أحداً ولا أستعدي أحداً. أنا فقط استقام فهمي، واستقام موقفي، واستقام ميزاني. ومن استقام لا يقبل أن يُطلب منه أن ينظر إلى الأمور بعين واحدة.
ومن قرأته الأيام، لا يُعاد تدريسه مرتين.