الجريمة التي لن يغفرها التاريخ... النخب التي صنعت جيلا بلا تعليم ولا مستقبل

قبل ساعتين


زكريا نمر
بقلم: زكريا نمر
ارشيف الكاتب

هناك جريمة لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، لأنها لا تترك صورا دامية على شاشات التلفزيون، ولا تصنع عناوين عاجلة في نشرات الأخبار. إنها جريمة سرقة مستقبل الأطفال.في الدول التي تعيش الحروب، لا تسقط القذائف على المدن فقط، بل تسقط أيضا على الفصول الدراسية. لا تهدم المباني وحدها، بل تهدم العقول قبل أن تنضج. وعندما يصبح ملايين الأطفال خارج المدرسة، فإن القضية لم تعد أزمة تعليم، بل إعلان رسمي عن إفلاس الدولة.السياسيون الذين يتقاتلون على السلطة يعتقدون أن المعركة تدور حول كرسي الحكم، بينما الحقيقة أن المعركة تدور حول عقل الطفل. فالسلطة يمكن أن تتغير بانقلاب أو انتخابات أو اتفاق سياسي، أما الطفل الذي خسر عشر سنوات من التعليم فلن تعيده أي تسوية سياسية إلى نقطة البداية.ما معنى أن تمتلك دولة النفط أو الذهب أو الأراضي الزراعية، بينما تعجز عن توفير مقعد دراسي لطفل؟ وما قيمة الثروات الطبيعية إذا كانت أكبر صادرات الدولة هي الجهل والنزوح والأمية؟ إن الموارد لا تصنع التنمية، وإنما طريقة إدارتها. والدول التي تنفق على البنادق أكثر مما تنفق على المدارس، تختار مستقبلها بإرادتها.ن كثيرا من النخب السياسية لا ترى التعليم أولوية أصلا. تتحدث عن تقاسم الوزارات، والمحاصصة، وتقاسم الثروة، وتوزيع المناصب، لكنها نادرا ما تختلف حول إصلاح المناهج أو تحسين جودة التعليم أو تمويل البحث العلمي. وكأن بناء الإنسان قضية مؤجلة إلى ما بعد انتهاء الصراع، رغم أن الصراع نفسه لن ينتهي ما دام الإنسان يظل مهمشا.ثم تأتي مأساة أخرى لا تقل خطورة عن إغلاق المدارس، وهي أزمة المناهج. فحتى حين يذهب الأطفال إلى المدارس، يجدون مناهج كتبت لعالم لم يعد موجودا، لا تعلم التفكير، ولا تهيئ لسوق العمل، ولا تزرع قيم المواطنة، بل قد تعيد إنتاج الانقسامات والهويات الضيقة. وهكذا يصبح التعليم جزءا من الأزمة بدلا من أن يكون طريقا للخروج منها.إن الطفل الذي يكبر في مخيم نزوح بلا تعليم، ليس مجرد ضحية حرب، بل مشروع أزمة وطنية. وعندما يكبر ملايين الأطفال خارج المدرسة، فإن الدولة لا تنتج مواطنين، بل تنتج جيلا يفتقد المهارات، ويواجه البطالة، ويصبح أكثر عرضة للتجنيد في الميليشيات، أو الوقوع في الجريمة، أو الهجرة، أو التطرف. وهذه ليست احتمالات، بل نتائج يمكن توقعها عندما يغيب التعليم ويحل السلاح مكان الكتاب.


السؤال الذي يجب أن يوجه إلى النخب السياسية ليس من يربح الحرب؟ بل ماذا ستفعلون بجيل لم يتعلم القراءة والكتابة؟ كيف ستبنون اقتصادا بلا مهندسين؟ وكيف ستقيمون مستشفيات بلا أطباء؟ وكيف ستديرون مؤسسات الدولة بلا معلمين وقضاة وباحثين؟ إن الدولة التي تدمر مدارسها، تدمر مؤسساتها قبل أن تبنيها.أن السياسيين يتحدثون كثيرا عن الوطن، لكنهم لا يستثمرون في الإنسان الذي يصنع الوطن. يتحدثون عن السيادة، بينما يعتمدون على المنظمات الدولية لإبقاء الأطفال في المدارس. ويتحدثون عن الاستقلال، بينما يعجزون عن وضع سياسة تعليمية مستقرة لعقد واحد.إن التعليم ليس بندا ثانويا في الموازنة، بل هو المشروع الوطني الأكبر. وكل دولة تؤجل الاستثمار في التعليم، تدفع لاحقا فاتورة مضاعفة في الأمن والبطالة والفقر والعنف والانقسام. فالتعليم ليس خدمة اجتماعية، بل هو صناعة المستقبل.


التاريخ لا يخلد السياسي الذي انتصر في حرب أهلية، بل يخلد من بنى مدرسة، وأسس جامعة، وصنع جيلا قادرا على التفكير والإنتاج. أما الذين يتباهون بالانتصارات العسكرية بينما يتركون ملايين الأطفال خارج المدارس، فإنهم لا يقودون دولا، بل يقودون مجتمعات نحو انهيار طويل.لن يكون السؤال الذي سيطرحه التاريخ من حكم البلاد؟ بل سيكون لماذا ضاع جيل كامل بينما كانت النخب تتصارع على السلطة؟ وعندها لن يكون لدى أحد جواب يقنع أطفالا سلبت منهم المدرسة، ولا وطنا سلب منه مستقبله.السلام الحقيقي يبدأ من الفصل الدراسي يخطئ من يظن أن السلام يصنع فقط على طاولات التفاوض. فالسلام الذي لا يصل إلى المدرسة يبقى اتفاقا بين السياسيين، لا عقدا اجتماعيا بين المواطنين.الطفل الذي يتعلم في مدرسة آمنة، ويدرس تاريخ بلاده بموضوعية، ويتعلم احترام التنوع، والتفكير النقدي، وحل النزاعات بالحوار، سيكون أقل استعدادا لحمل السلاح عندما يكبر. أما الطفل الذي يحرم من التعليم، أو يتلقى تعليما يعمق الانقسام، فإنه يصبح أكثر عرضة للانجرار إلى دوائر العنف.لهذا فإن كل مدرسة تفتح أبوابها هي انتصار للسلام، وكل مدرسة تغلق هي انتصار للحرب، حتى وإن ساد الصمت في ساحات القتال.


ما الذي يجب أن يتغير؟ إن إنقاذ جيل كامل لا يحتاج إلى الشعارات، بل إلى قرارات شجاعة، في مقدمتها إعلان التعليم أولوية وطنية تتقدم على الصراع السياسي.تخصيص نسبة ثابتة من الميزانية العامة للتعليم، لا تخضع للمساومات السياسية. إعادة بناء المدارس في مناطق النزوح والريف قبل تشييد المباني الحكومية الفخمة. إعداد مناهج حديثة تركز على العلوم، والتكنولوجيا، واللغات، والتفكير النقدي، وقيم المواطنة، بدلا من التلقين والحفظ.تحسين أوضاع المعلمين، لأن أي إصلاح تعليمي يبدأ بالمعلم.إشراك الجامعات والخبراء في رسم السياسة التعليمية، بدلا من تركها رهينة للقرارات السياسية قصيرة الأجل.ربط التعليم بخطط التنمية وسوق العمل، حتى يصبح وسيلة للإنتاج، لا مجرد شهادة ورقية.إن التاريخ لا يرحم النخب التي تضيع أوطانها، لكنه يكون أكثر قسوة مع النخب التي تضيع أطفالها. فالمدن يمكن إعادة إعمارها، والطرق يمكن إصلاحها، والاقتصاد يمكن أن يتعافى، لكن السنوات التي تضيع من عمر الطفل لا يمكن استعادتها.أنها تقتل إمكاناتهم. وليست المأساة في أن تغلق مدرسة اليوم، بل في أن يتحول إغلاقها إلى واقع طبيعي لا يثير غضب السياسيين ولا قلق الرأي العام.بعد سنوات، لن يسأل التاريخ كم وزيرا تعاقب على السلطة، ولا كم اتفاقا سياسيا وقع، بل سيسأل سؤالا واحدا: أين كان قادة الدولة عندما كان ملايين الأطفال يفقدون حقهم في التعليم؟ذلك السؤال سيكون أصعب من كل الأسئلة السياسية، لأن الأمم لا تبنى بالبنادق، ولا تستمر بالشعارات، ولا تنهض بالمحاصصة، وإنما تبنى في الفصل الدراسي، وعلى يد معلم، وبكتاب، وبطفل يؤمن أن مستقبله أهم من صراع السياسيين على السلطة.الدولة التي تترك ملايين الأطفال خارج المدارس لا تؤجل التنمية فقط، بل تؤجل وجودها نفسه. فالأوطان لا تسقط عندما تنفد مواردها، وإنما تسقط عندما تتخلى عن الاستثمار في الإنسان، لأنه الثروة الوحيدة التي تزداد قيمتها كلما استثمرت فيها، بينما تتلاشى كل الثروات الأخرى إذا غاب العقل القادر على إدارتها.


#زكريا_نمر