لماذا كل هذا التعبير عن خيبة الأمل من الحكومة؟

قبل ساعة


مصطفى ناجي الجبزي
بقلم: مصطفى ناجي الجبزي
ارشيف الكاتب


سنفترض أن البلاد آلت إلى انقسام بين معسكرين:

أولاً: معسكر الجماعة الحوثية وهو معسكر في غاية الاحتشاد، ومهما تنوعت تعبيرات الناشطين فيه، فإنه من الممكن اختزالها في ثلاثة أمور:

- تقديس شخصية عبد الملك الحوثي.

- ادعاء النصر والمظلومية في آنٍ واحد، وتحويل الصراع من داخلي إلى صراع كوني.

- الطعن في شرعية وكفاءة الحكومة.


ويقابله ثانياً: معسكر الحكومة وهو شديد التنوع والتناقض. داخل هذا المعسكر توجد كتلة هائلة من المتفاعلين المتذمرين، الشاكين، المشككين، والنشيطين جداً، إلى درجة أنهم في المحصلة يتشاركون مع خطاب معسكر مناصري الحوثي في الكثير من الطروحات. فلماذا هذا التقاطع؟


لا أقصد بالتشخيص أعلاه توجيه تهمة جاهزة، إنما الحث على فهم المسألة واستيضاح بواطنها: كيف نشأت؟ وعلى ماذا تتغذى؟ وكيف يمكن أن تؤثر؟

علماً أن هذه الكتلة النشطة تعيش في ثلاثة فضاءات جغرافيّة:

مناطق الداخل ضمن سيطرة الحكومة.

مناطق الداخل ضمن سيطرة الحوثي.

جماعة المهجر في بلدان العالم الخارجي.


هذا التقسيم المكاني يساعدنا على وضع الأسس الرئيسة لبسط المسألة:

1. الفضاء الأول: مناطق سيطرة الحكومة


سنجد أن الأصوات هناك تعكس واقعاً مريراً من الفشل، والانقسام، والتباطؤ في إعادة بناء مؤسسات الدولة، والعجز عن تقديم الخدمات وتثبيت الأمن. وتعيش أيضاً تحت وطأة الانقسام الهائل في مصفوفة الحكومة، التي هي في جوهرها مجموعات ومربعات حكم مسلح بقوة البندقية لا غنى لها عن حكومة شرعية. كما تعيش هذه الأصوات عذاب الحرمان من إنجاز السلام أو إنهاء الحرب. لكننا سنجدها أيضاً مستفيدة من هامش حرية بعضه مكتسب من تقاليد البلاد شبه الديمقراطية، وبعضه ناتج عن عجز السلطة عن القمع.

وسنجدها كذلك متأثرة بالدعاية الحربية الحوثية وطريقتها في فرض قواعد لعبة قائمة على المغامرة، والتحدي الدائم، والبطولية، ومخاطبة وتر حساس في الإنسان اليمني المقهور، العاجز عن فهم أسباب تخلفه وفقره بغير العداء الخارجي. كما لا يمكن إغفال حقيقة أنها تقتات على أحقاد الماضي وضغائن الحاضر السياسية والأيديولوجية.


2. الفضاء الثاني: مناطق سيطرة الجماعة الحوثية


هذه الكتلة تنتظر الكثير من الحكومة؛ فهي غاضبة مقهورة لا تستطيع توجيه نقدها وخطابها ومطالبها إلى الجماعة المسيطرة بحكم الواقع وبالحديد والنار. وسنجد أنها تريد البقاء في فضاء التأثير من خلال تقديم مشاركة إعلامية سياسية لا تكلف الكثير؛ فعندما تكون في مناطق سيطرة الحوثي وتنتقد وتفكك الحكومة وتشتم التحالف، فإن الأمر لا يكلفك شيئاً.

وسنجد بعضها أيضاً متأثراً بخطاب الجماعة الحوثية، ويأخذ منه جانباً يوظفه للتعبير عن نفسه. إنهم يعيشون في الداخل، وبعضهم لديه فرصة الانتقال ويعرف تفاصيل الحياة المعيشية بدقة بين القطاعين ويدرك أنه يعيش في مناطق بلا رواتب، ولا مشاريع، ولا دولة مؤسسات، وتغرق في مستنقع تطييف واستباحة مذهبية وثقافية، ومع ذلك يتجاهلون ما يرونه واقعاً ويتفاعلون مع المادة المعروضة إعلامياً.


3. الفضاء الثالث: المقيمون في الخارج


وهذا الجزء يعكس الانقسام العام في اليمن؛ فمن هم في الخارج يمثلون كل أطياف اليمن (منهم الحوثي، والانفصالي، والإصلاحي.. إلخ)، وهؤلاء يقتاتون على ما تعرضه وسائل الإعلام والوسائط الاجتماعية.

في الواقع، استطاعت الجماعة الحوثية أن تغلق مجالها باحترافية قمعية لا نظير لها، وتمكنت من فلترة ما يخرج وما لا يخرج عنها، وحرفت المعركة الاقتصادية والاجتماعية إعلامياً. لذا، يجد من في الخارج مادة دسمة لنقد وذم الحكومة ومناطقها؛ إذ تتوفر لديهم تقارير ووثائق مسربة، وانقسامات فضائحية تشهيرية، بينما لا يعلمون الكثير عما يدور في مناطق الجماعة الحوثية، أو لا يريدون أن يعلموا، لأن الأمر يتطلب مشقة وبحثاً وجهداً، كما أنه لن يصنع نجومية إعلامية.


يوجه هؤلاء نظرتهم إلى مناطق الحكومة ويفككونها تفصيلاً، بينما تغيب مقاربة المقارنة؛ فتحدث الجريمة نفسها في ظل الانفلات الأمني وحكم الميليشيا في مناطق الحكومة ومناطق الحوثي، لكن جريمة مناطق الحكومة تحظى باهتمام واسع وتغطية شاملة، بينما تتوارى الأخيرة.

هذا أمر يستحق الاهتمام من أجل فهم هذه الديناميكية؛ فلماذا نرى هاتين الديناميكيتين المتناقضتين؟

هل للعدالة العاجلة (الخشنة) التي يطبقها الحوثي دور في ذلك؟

هل مستوى الجريمة مختلف حقاً بين المنطقتين؟

هل تساهل الناس مع الجريمة في مناطق الحوثي وشددوا اهتمامهم بمناطق الحكومة لأنهم يرون أن الأخيرة هي الأوجب بالامتثال للقانون؟

هل للانقسامات في مناطق الحكومة دور في تغذية هذا الاهتمام من باب المناكفات وتبادل الاتهامات؟

هل للاستقطاب المحلي والإقليمي إعلامياً دور في كشف الجرائم بمناطق الحكومة وتغطيتها في مناطق الحوثي؟

مثل هذه الأسئلة تسعف في تعميق الفهم.


وثمة شريحة اخرى هي نخبة "الخبراء" والحياد الزائف. شريحة هامة من المتفاعلين ممن يبدون حياداً تجاه الصراع برمته، ويقدمون أنفسهم كخبراء. هؤلاء قليلون عدداً، لكن لهم سمات مشتركة:

معظمهم كانوا من رجالات الدولة وشغلوا مناصب متوسطة ورفيعة في الوظيفة العامة، خصوصاً في الأمن والجيش ومؤسسات الاقتصاد.

يجلدون الحكومة ويكشفون أخطاءها، وبالكاد يتناولون مناطق الحوثي، وفي الأخير تقتصر معرفتهم وخبرتهم على ما يدور في مناطق الحكومة فقط.

يأخذون من خطاب الجماعة الحوثية الكثير لتعضيد حيادهم، من قبيل التقزز المضمر من تدخل التحالف وسطوة السعودية على القرار الحكومي، لكنهم لا يبدون حساسية مماثلة تجاه التدخلات الإيرانية.

ينزعون إلى امتطاء مقاربة إنسانية فضفاضة لفهم الشأن اليمني، متجاهلين الحقائق العسكرية والسياسية على الأرض.


والآن لنأتي إلى حادثة الطائرة الإيرانية


ما يدفعني إلى كتابة هذه السطور هو التفاعل الذي ظهر في اليمن في اليومين الأخيرين تجاه دخول طائرة إيرانية المجال الجوي اليمني ورد فعل الحكومة عليه.

لا يمكن أن نتوقع من أعوان الحوثي أن ينتظروا من الحكومة (ومن خلفها السعودية) منع هبوط الطائرة، فهذا غير ممكن إلا في حالة سياسية واحدة: أن تتورط الحكومة في قصف طائرة مدنية وتقتل من على متنها من اليمنيين، لتخلق جراحاً غائرة وأحقاداً لا تدفن.

بالمقابل، انتظر قطاع واسع من أنصار الشرعية أن تفعل الحكومة شيئاً يتناسب وجنون المغامرة الإيرانية الحوثية؛ فهناك دفق تفاعلي عاطفي غامر يطالب بأن تتحول أفعال الحكومة إلى قوة خارقة، دون النظر إلى القيود الداخلية والخارجية الواقعة عليها. وهناك رفض وازدراء لما قد تفعله الحكومة من خطوات تمليها عليها حساباتها ومواجهتها للعالم، وكأن البعض يريد من الحكومة أن تتحول إلى ميليشيا لا تربطها بالعالم أي روابط أو التزامات دولية.

لقد كتب الصحفي والكاتب المتميز خالد عبد الهادي أن رد الحكومة يمثل بادرة في بناء شخصيتها تجاه التحالف، وهذه نقطة يمكن البناء عليها. والحقيقة المكملة هي أن اقتحام الطائرة الإيرانية للأجواء اليمنية، بقدر ما يمثل انتهاكاً للسيادة، فإنه يمثل أيضاً انتقاصاً من شخصية الجماعة الحوثية نفسها (التي تظهر كتابع فاقد للقرار).

لم تقصف الحكومة أو السعودية الطايرة وسمحت لها الهبوط في الحديدة. لوحت بالقدرة على الفعل وقدمت دليلاً. لكنها لم تدفع إلى تحول الأمر إلى مواجهة عسكرية يفرضها الحوثيون وإيران.


فهل كان هذا مخيب للآمال؟

لو لماذا كل هذا الخيبة ؟


بالمجمل، هذه الخيبة هي خليط من حسن النوايا، والتوقعات العالية، والحصار الأخلاقي الذي يحول دون أي مناصرة للدولة ما لم يذهب المناصر إلى خانة التملق الممجوج. هذا السلوك يجرد الناس من حق الوقوف مع خياراتهم، ويصنفهم ضمن "الكتبة المستأجرين" الذين جروا الجدل في بركهم الآسنة المنتهكة للأعراض وأخلاق الاختلاف السياسي.


سيجد نصير الدولة، والرافض لمشاريع التمزيق والمشاريع الظلامية، نفسه محاصراً من كل اتجاه:

-محاصراً في آماله بعصبةٍ لا تنفك تُبدي قبحها وشراستها، وتكسر أنيابها في وجهه، وتقتات على الاختلاف والتعدد وكأنه منقصة، بينما تشيد بالشمولية.

-محاصراً بسنوات فشل الشرعية في بناء دولة تليق بصبر اليمنيين وتضحياتهم من أجل بلادٍ ووطنٍ ودولة قانون.

-محاصراً بجيرانٍ يحسنون النوايا، ويقطعون نصف المسافة، فإذا تمزقت أحذيتهم لعنوا اليوم الذي بدأوا فيه المشوار.

-محاصراً أكثر بنفاق يتظاهر أصحابه بأنهم غيورون على هذه البلاد، وحريصون على حكومتها، ويسهرون على حمايتها، بينما هم يبقرون بطنها ليل نهار، حتى يكاد يتطابق ما يقولونه مع ما يقوله خصومها.

-محاصراً بنبوءات الفشل، المتداعية كالجراد، والمتوالدة كالجراد. محاصراً لأن الهاربين من التجلد كثر، ولأن هناك نخبةً تجيد حياكة التخاذل، وتلميع التهاوي، وامتداح الخصم، وليّ عنق الحقائق.

-محاصراً بعيونٍ مفتوحة على مناطق الشرعية، ترصد الشخير والتمطي، وتغفل عن جحافل أكلت الأخضر واليابس، ودنست المقابر والمساجد.

- محاصراً بتهمةٍ جاهزة اسمها "الفساد"، مُفصلة على مقاس الحكومة لا غير.


مصطفى ناجي