القبيلة..المقبرة التي دفنت الأحزاب والدولة معا.

الخميس - 16 يوليو 2026 - 09:58 م


زكريا نمر
بقلم: زكريا نمر
ارشيف الكاتب

لا توجد دولة تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء حتى يأتي يوم تصبح فيه مؤسساتها مجرد واجهات، ودستورها مجرد نص، وأحزابها مجرد لافتات. وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة، لا يعود الصراع حول البرامج أو الأفكار، بل حول الهويات الأولية التي يعتقد الناس أنها وحدها القادرة على حمايتهم. عندها تتقدم القبيلة إلى المسرح السياسي، ليس لأنها أكثر تطورا من الحزب، وإنما لأن الحزب تخلى عن وظيفته، والدولة تخلت عن مواطنيها. القبيلة لا تدخل السياسة من باب القوة، وإنما من باب الفراغ. فعندما تعجز الأحزاب عن تمثيل المجتمع، وتفشل الدولة في تحقيق العدالة، يبحث المواطن عن ملاذ آخر، فيجد القبيلة أقرب إليه من أي مؤسسة رسمية. وهكذا تتحول العلاقة التي كان يفترض أن تكون اجتماعية وثقافية إلى علاقة سياسية تحدد من يحكم، ومن يعارض، ومن يملك الثروة، ومن يبقى على هامش الدولة.ليست القبيلة هي أصل الأزمة، فهي حقيقة تاريخية سبقت الدولة الحديثة، وأدت عبر قرون وظائف اجتماعية واقتصادية وأمنية. لكن الخلل يبدأ عندما تصبح القبيلة بديلا عن الحزب، وعندما يتحول الانتماء إليها إلى الشرط غير المعلن للحصول على السلطة والوظيفة والنفوذ. في تلك اللحظة لا تموت السياسة فقط، بل تموت معها فكرة المواطنة.


الأحزاب السياسية وجدت لتنافس بالأفكار، ولتقدم برامج تعالج الاقتصاد والتعليم والصحة والتنمية، لكنها في كثير من الدول الهشة فقدت هذا الدور. لم تعد مدارس لإعداد القيادات، ولا مؤسسات لإنتاج المعرفة، بل تحولت إلى جماعات تدور حول الأشخاص، أو واجهات لزعامات قبلية ترتدي ثوبا سياسيا. لذلك لم يعد المواطن يختار الحزب الذي يحمل رؤية أفضل، بل الجماعة التي يشعر أنها أكثر قدرة على حمايته.وعندما يصبح صندوق الاقتراع مجرد وسيلة لقياس الأحجام القبلية، تفقد الديمقراطية معناها. فالانتخابات لا تصنع دولة إذا كانت نتائجها محسومة بالولاءات الموروثة. وما يبدو تنافسا سياسيا ليس في حقيقته سوى إعادة توزيع للقوة بين القبائل، بينما يبقى الوطن هو الخاسر الأكبر. أن الدولة تتحول إلى غنيمة. فالوزارة تصبح حصة، والمؤسسة العامة تصبح مجال نفوذ، والوظيفة تتحول إلى مكافأة للموالين، لا استحقاقا للكفاءات. ومع مرور الزمن، يتراجع الإحساس بالمصلحة العامة، ويحل محله منطق اقتسام الدولة بين الجماعات.ولذلك لا يعود الفساد سلوكا فرديا، بل يصبح جزءا من النظام السياسي. فكل مسؤول يجد في قبيلته خط الدفاع الأول عنه، وكل محاولة للمحاسبة تفسر باعتبارها استهدافا لجماعة بعينها. وهكذا تضيع العدالة بين الولاءات، ويتحول القانون إلى نص عاجز أمام قوة العصبية.و ما شهدته دول خرجت من حروب طويلة، ومنها جنوب السودان، يعكس هذه الحقيقة بوضوح. فقد كان الاستقلال فرصة لبناء دولة حديثة تقوم على المواطنة والمؤسسات، لكن النخب السياسية في كثير من الأحيان أعادت إنتاج الانقسامات القديمة داخل أجهزة الدولة. فأصبح الصراع على السلطة امتدادا للصراع الاجتماعي، بينما تراجع المشروع الوطني الذي حلم به المواطنون. غير أن تحميل القبيلة وحدها مسؤولية هذا الفشل هو تبسيط مخل. فالقبيلة لم تسقط الدولة، بل وجدت دولة ضعيفة فملأت الفراغ. المسؤولية الحقيقية تقع على النخب السياسية التي عجزت عن بناء مؤسسات قوية، وعلى الأحزاب التي فضلت الولاء على الكفاءة، وعلى المثقفين الذين تحول كثير منهم إلى أبواق للسلطة أو للجماعات، بدلا من أن يكونوا ضمير المجتمع.


إن الأزمة في جوهرها هي أزمة مشروع وطني. فلا يمكن لدولة أن تستقر إذا كان كل مواطن يرى في القبيلة مستقبله، ويرى في الدولة مجرد وسيلة للحصول على الموارد. الدولة الحديثة لا تبنى بالعواطف، وإنما بمؤسسات مستقلة، وقضاء عادل، وتعليم يصنع العقل، واقتصاد يخلق الفرص، وأحزاب تتنافس على خدمة المواطنين لا على احتكار السلطة.ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإدانة القبيلة، بل بإحياء السياسة. المطلوب أحزاب تمتلك رؤى اقتصادية وتعليمية وتنموية، لا أحزابا تعرف نفسها بأسماء زعمائها أو بامتداداتها الاجتماعية. كما أن قوانين الأحزاب يجب أن تشجع الديمقراطية الداخلية، والشفافية المالية، وتجدد القيادات، حتى لا تتحول الأحزاب نفسها إلى قبائل صغيرة.ولا يقل إصلاح التعليم أهمية عن إصلاح السياسة. فالعقل الذي يتربى على الحفظ والطاعة سيظل يبحث عن زعيم يحتمي به، أما العقل الذي يتعلم التفكير النقدي واحترام القانون فسيبحث عن دولة تحمي حقوقه. لذلك فإن المدرسة هي المكان الذي تبدأ فيه معركة بناء المواطنة، قبل أن تبدأ في البرلمان أو صندوق الاقتراع.أما الاقتصاد، فهو الساحة التي تختبر فيها صدقية الدولة. فكلما توسعت فرص العمل، وازدهر القطاع الخاص، وتراجعت المحسوبية في التوظيف، ضعفت الحاجة إلى الوساطة القبلية. المواطن الذي يحصل على حقه بالقانون لن يكون مضطرا إلى البحث عن واسطة داخل جماعته.ويبقى القضاء المستقل حجر الزاوية في أي مشروع وطني. فلا مواطنة من دون عدالة، ولا عدالة إذا كان القانون يطبق على الضعفاء ويستثني أصحاب النفوذ. حين يشعر المواطن أن الدولة تنصفه، تبدأ القبيلة في العودة إلى دورها الطبيعي بوصفها رابطة اجتماعية، لا سلطة سياسية.


إن مستقبل الدول الهشة لن يتحدد بعدد الأحزاب التي تنشأ، ولا بعدد الانتخابات التي تعقد، بل بقدرتها على إنتاج مواطن يؤمن بأن حقوقه تأتي من الدستور لا من القبيلة، وأن مستقبله تصنعه كفاءته لا انتماؤه. فالدولة لا تنتصر على القبيلة بالقوة، وإنما بالعدالة، ولا تبني وحدتها بالشعارات، وإنما بالمؤسسات.وعندما تستعيد الأحزاب دورها الحقيقي، ويصبح القانون فوق الجميع، وتتحول المواطنة إلى قيمة عملية لا شعار سياسي، عندها فقط تستعيد الدولة معناها. أما إذا بقيت القبيلة هي الحزب، والحزب هو القبيلة، فإن الوطن سيظل يدور في حلقة مفرغة، تتغير فيها الوجوه، بينما يبقى الفشل هو الحاكم الحقيقي.


#زكريا_نمر