خلال سنوات عملي في القطاع التنموي، كنت أراقب دائمًا ظاهرة غريبة تتكرر في تصميم وتنفيذ أغلب المشاريع والتدخلات, ظاهرة يمكن تلخيصها في سؤال واحد "ما الذي ينقص هذا المجتمع؟" بدلاً من "ما الذي يملكه ويجيده هذا المجتمع؟"
لقد اعتدنا على تصميم مشاريعنا مدفوعين بمنظور "العجز والاحتياج" , فنذهب إلى المجتمعات المحلية وعيوننا مبرمجة فقط على رصد نقاط الضعف فقط, نحاول جاهدين "ترقيعها" وسد الفجوات.
ولكن، ما الذي يحدث عملياً؟ نحن نستهلك ميزانيات ضخمة في التمويلات لنتحصل في النهاية على نتائج "مقبولة" أو "غير سلبية" مؤقتاً، وبمجرد أن يغلق المشروع وينتهي التمويل، يعود المجتمع إلى نقطة الصفر! لماذا؟ لأننا لم نطبق فلسفة "التمتين"، التي تركز على تقوية نقاط القوة وتعظيم الأصول الكامنة.
تخيل مجتمعاً ريفياً يعاني شبابه من البطالة، لكن لديهم "نقاط قوة": يمتلكون شغفاً ومعرفة فطرية متوارثة أباً عن جد في تربية النحل وإنتاج العسل.
✓ المنهجية التقليدية (ترقيع الضعف): تأتي المنظمة لترى "شباباً بلا عمل"، فتقرر تدريبهم على صيانة الموبايل أو توزيع خلايا نحل عشوائية لأشخاص لم يربوا نحلاً قط. تنتهي المنحة، فتموت الخلايا وتعود البطالة؛ لأننا ببساطة حاولنا تحويل "الأرنب إلى سباح".
✓ منهجية التمتين (تقوية القوة): تبدأ من حيث تكمن القوة, تستهدف النحالين الفطريين، وتنظمهم في مجموعات إنتاجية وتمتن مهاراتهم بتقنيات فرز وتعبئة حديثة ترفع قيمة منتجهم، ثم تربطهم بالأسواق.
النتيجة؟ في الأولى صنعنا عجزاً جديداً بمجرد انتهاء التمويل، وفي الثانية فتشنا في نقاط القوة وقويناها؛ استثمرنا في أصلٍ موجود وشغفٍ حقيقي، فاستمر العمل ونما ذاتياً...
كصناع قرار وتنمويين، من الواجب أن نفكر بطريقة "منظومية" مترابطة؛ لنربط بين "الموارد الاقتصادية"، "العنصر البشري"، و"الفرص المتاحة في السوق"، بدلاً من التركيز على جانب واحد مجزأ.
هي منظومة متكاملة، كلما زاد ترابط عناصرها، كلما حققت أثراً تنموياً مستداماً وعميقاً !!
@إشارة
#محمدـالبان