ستون عاما بعد الاستقلال هل ظلمنا الاستعمار أم ظلمتنا نخبنا؟

الخميس - 16 يوليو 2026 - 09:54 م


زكريا نمر
بقلم: زكريا نمر
ارشيف الكاتب

من أكثر الأسئلة تعقيدا في دراسة واقع القارة الإفريقية: هل أزمات إفريقيا هي نتيجة مباشرة للاستعمار، أم أن المشكلة أصبحت مرتبطة بطريقة تفكير الإنسان الإفريقي وطريقة إدارته للدولة والمجتمع بعد رحيل المستعمر؟طرح هذا السؤال لا يعني تبرئة الاستعمار من جرائمه التاريخية، ولا التقليل من حجم الدمار الذي خلفه في القارة. فالاستعمار كان تجربة قاسية تركت آثارا سياسية واقتصادية وثقافية ما زالت حاضرة في كثير من المجتمعات الإفريقية. لكنه في الوقت نفسه يفتح بابا ضروريا لنقد الذات والبحث عن الأسباب التي جعلت بعض الدول الإفريقية تستمر في أزماتها رغم مرور عقود طويلة على الاستقلال.لقد لم يكن الاستعمار مجرد وجود عسكري أجنبي أو إدارة سياسية مؤقتة، بل كان نظاما متكاملا للسيطرة وإعادة تشكيل المجتمعات بما يخدم مصالح القوى الاستعمارية. فقد استنزفت الموارد، ورسمت حدود سياسية لم تراع دائما طبيعة المجتمعات المحلية، وفرضت أنظمة اقتصادية وإدارية خلقت تبعيات استمرت بعد خروج المستعمر.كما أن الاستعمار في كثير من المناطق أضعف البنى التقليدية القائمة دون أن يؤسس مؤسسات وطنية قادرة على إدارة دولة حديثة بعد الاستقلال. لذلك فإن إنكار أثر الاستعمار يمثل تجاهلا للتاريخ، لكن تحويله إلى تفسير دائم لكل فشل يمثل أيضا هروبا من مواجهة الحاضر.


بعد أكثر من ستين عاما على استقلال معظم الدول الإفريقية، يصبح من الضروري طرح أسئلة أكثر صعوبة: هل ما زال المستعمر هو المسؤول عن ضعف المؤسسات؟ هل هو الذي يمنع بناء أنظمة قضائية مستقلة؟ هل هو الذي ينهب المال العام؟ هل هو الذي يضعف التعليم ويمنع قيام دولة القانون؟الإجابة لا يمكن أن تتجاهل المسؤولية الداخلية. فالتاريخ يساعدنا على فهم جذور الأزمة، لكنه لا يعفينا من مسؤولية التعامل معها. فالدولة التي تفشل في بناء مؤسسات قوية، أو تسمح بتحول السلطة إلى ملكية خاصة، أو تجعل القانون خاضعا للأفراد، لا تستطيع تفسير كل أزماتها بالماضي الاستعماري فقط. تظهر مشكلة أعمق يمكن تسميتها بـالعقل المستعمَر وهو ليس مجرد خضوع للمستعمر السابق، بل حالة ذهنية تجعل الإنسان غير قادر على رؤية نفسه خارج العلاقة معه. يظهر هذا العقل أحيانا في صورة إعجاب مطلق بالغرب واعتباره النموذج الوحيد للتقدم، ويظهر أحيانا أخرى في صورة رفض دائم وتحميله مسؤولية كل مشكلة داخلية. وفي الحالتين يبقى المستعمر حاضرا في الوعي، سواء كقدوة أو كعدو دائم.


لقد نجحت بعض النخب الإفريقية بعد الاستقلال في طرد الإدارة الاستعمارية، لكنها لم تنجح دائما في بناء دولة مختلفة. فقد رفعت شعارات التحرر والوحدة، لكنها في بعض الحالات أعادت إنتاج أنظمة سلطوية، وحولت الدولة إلى أداة لخدمة النخب الحاكمة بدلا من أن تكون مؤسسة لخدمة المواطنين.المشكلة لم تكن في غياب الرغبة في الاستقلال فقط، بل في غياب مشروع واضح لبناء الدولة. فالاستقلال الحقيقي لا يعني خروج الجندي الأجنبي ورفع العلم الوطني، بل يعني امتلاك مؤسسات قوية، واقتصاد منتج، ونظام تعليمي قادر على صناعة إنسان مستقل في تفكيره وقدرته على النقد.إن تحميل الاستعمار مسؤولية كل شيء قد يمنح المجتمعات شعورا بالراحة، لأنه يقدم تفسيرا خارجيا للأزمات، لكنه في المقابل يحرمها من قوة المراجعة والنقد. فالأمم لا تتقدم فقط عندما تتذكر من ظلمها، بل عندما تسأل أيضا: ماذا فعلت بعد انتهاء الظلم؟التجارب العالمية تثبت أن الشعوب التي عانت من الاستعمار لم تسلك طريقا واحدا. فهناك دول استطاعت، رغم تاريخها الاستعماري، أن تبني مؤسسات قوية واقتصادات ناجحة، بينما بقيت دول أخرى أسيرة الصراعات والانقسامات. الفرق لم يكن في غياب آثار الاستعمار، بل في طريقة التعامل معها.


السؤال الذي يجب أن تواجهه إفريقيا اليوم ليس فقط: لماذا استعمرنا الآخرون؟ بل أيضا: لماذا فشلنا أحيانا في إدارة استقلالنا؟ لماذا تحولت الثروات الطبيعية من فرصة للتنمية إلى مصدر للصراع؟ لماذا بقيت الولاءات القبلية والشخصية أقوى من مفهوم المواطنة؟هذه الأسئلة لا تهدف إلى إدانة الإنسان الإفريقي، بل إلى الاعتراف بقدرته على تغيير واقعه. فالنقد الذاتي ليس ضعفا، بل شرطا لأي مشروع نهضة حقيقي.ولا يعني ذلك تجاهل مسؤولية النظام العالمي أو الآثار الاقتصادية التي تركتها المرحلة الاستعمارية. فكثير من الاقتصادات الإفريقية ما زالت تعتمد على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة، وهو نمط اقتصادي جعل القارة في موقع ضعيف داخل الاقتصاد العالمي.لكن مواجهة هذه التحديات لا تكون فقط عبر اتهام الخارج، بل عبر بناء الداخل. فالدول القوية لا تعتمد على شكوى التاريخ، بل تعتمد على قوة مؤسساتها، وجودة تعليمها، وقدرتها على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا.


ومن القضايا التي تحتاج إلى نقاش جاد أيضا مسألة القبيلة والهويات الأولية. فالقبيلة ليست مشكلة في حد ذاتها، فهي جزء من التاريخ الاجتماعي والثقافي للمجتمعات الإفريقية. لكن الأزمة تبدأ عندما تتحول القبيلة إلى بديل عن الدولة، وعندما تصبح وسيلة للحصول على السلطة والثروة بدلا من أن تكون إطارا اجتماعيا وثقافيا.في كثير من الحالات لم تكن القبيلة سبب ضعف الدولة، بل كانت نتيجة له. فعندما تفشل الدولة في توفير العدالة والأمن والخدمات، يبحث الإنسان عن الحماية داخل الجماعة الأقرب إليه.إن المأساة الإفريقية ليست فقط أن القارة تعرضت للاستعمار، فهذه حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها، بل أن بعض المجتمعات لم تستطع حتى الآن تحويل تلك التجربة إلى مشروع لبناء المستقبل.العقل المستعمَر ليس فقط ذلك الذي يقلد المستعمر، بل أيضا ذلك الذي يبقى أسيرا له نفسيا، سواء بالرفض المستمر أو بالتبعية. فالتحرر الحقيقي يبدأ عندما يدرك الإنسان أنه ليس مجرد ضحية للتاريخ، بل قادر على صناعة التاريخ.


إفريقيا لا تحتاج إلى إنكار الماضي، كما لا تحتاج إلى العيش داخله. تحتاج إلى قراءة تاريخها بوعي، والاعتراف بأخطاء الداخل والخارج معا، ثم الانتقال إلى بناء دول تقوم على المؤسسات والمعرفة والمواطنة.فالاستعمار جزء من تفسير أزمة إفريقيا، لكنه ليس قدرا دائما. فالمستقبل لن تصنعه ذاكرة الألم وحدها، بل قدرة الشعوب على تحويل التجربة التاريخية إلى مشروع جديد.