الحرب على الدولار: هل تكتب الصين الفصل الأخير من الإمبراطورية الأمريكية؟

قبل ساعة


زكريا نمر
بقلم: زكريا نمر
ارشيف الكاتب

قبل أن يصبح الدولار العملة الأكثر نفوذا في التاريخ، لم تكن الولايات المتحدة القوة الاقتصادية الوحيدة في العالم، ولم تكن تمتلك أكبر حجم من التجارة الدولية فحسب، بل كانت تمتلك شيئا أكثر عمقا: القدرة على تحويل الاقتصاد إلى أداة لإدارة السياسة العالمية. و يبدأ سوء الفهم الذي يقع فيه كثير من المحللين عندما يختزلون هيمنة الدولار في قوته الشرائية أو في حجم الاقتصاد الأمريكي. فالدولار لم ينتصر لأنه الورقة النقدية الأفضل، وإنما لأنه أصبح التعبير المالي عن نظام عالمي صممته واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية، وربطت به التجارة والطاقة والديون والبنوك وأسواق المال والمؤسسات الدولية وحتى مفهوم الاستقرار الاقتصادي نفسه.ولهذا فإن السؤال حول قدرة الصين على إنهاء هيمنة الدولار عبر نظام دفع بديل لا يتعلق في جوهره بالتكنولوجيا المالية ولا بالتحويلات المصرفية، وإنما يتعلق بالسؤال الأكبر: هل يمكن إسقاط نظام عالمي دون إسقاط البنية السياسية والعسكرية والمؤسساتية التي تحميه؟ إن الذين يتحدثون عن نهاية الدولار بمجرد إنشاء الصين لنظام CIPS أو إطلاق اليوان الرقمي يخلطون بين الوسيلة والبنية. فشبكات الدفع ليست سوى شرايين، أما القلب الحقيقي للنظام المالي فهو الثقة، والقدرة على فرض القواعد، والسيطرة على المؤسسات التي تحدد كيف يتحرك رأس المال عبر العالم.


لقد نجحت الولايات المتحدة خلال العقود الماضية في تحويل الدولار إلى لغة الاقتصاد العالمي. فالدول التي لا تربطها أي علاقة مباشرة بأمريكا تتبادل السلع بالدولار، والشركات التي لا تستثمر داخل الولايات المتحدة تقترض بالدولار، والبنوك المركزية التي لا تعتمد على السوق الأمريكية تحتفظ باحتياطياتها بالدولار. وهذه ليست ظاهرة طبيعية، بل نتيجة تراكم تاريخي طويل جعل العالم يعتمد على عملة واحدة بوصفها مخزنا للقيمة ووسيلة للتبادل وأداة للتسعير.لكن هذه الهيمنة لم تكن مجانية، بل منحت واشنطن امتيازا استثنائيا لم تحظ به أي إمبراطورية مالية في التاريخ. فالولايات المتحدة تستطيع تمويل عجزها الداخلي بإصدار سندات مقومة بعملتها، بينما تتسابق البنوك المركزية حول العالم إلى شرائها باعتبارها من أكثر الأصول أمانا. كما تستطيع فرض عقوبات مالية تعزل دولا كاملة عن النظام الاقتصادي العالمي، ليس لأنها تحتكر التجارة، بل لأنها تحتكر البنية التي تمر عبرها هذه التجارة. و أصبح الدولار جزءا من أدوات القوة الأمريكية، تماما كما هي حاملات الطائرات والقواعد العسكرية والتحالفات الأمنية.ولم يكن غريبا أن تدرك الصين أن استمرار صعودها الاقتصادي سيظل ناقصا ما دامت تعتمد على نظام مالي تتحكم فيه منافستها الاستراتيجية. فالصين التي تحولت إلى أكبر دولة مصدرة في العالم، وإلى شريك تجاري لعشرات الدول، وجدت نفسها في النهاية مضطرة إلى استخدام الدولار في نسبة كبيرة من تجارتها الخارجية. وهذا التناقض كشف حدود القوة الاقتصادية عندما لا تمتلك الدولة سيادة مالية كاملة.بدأ المشروع الصيني لبناء نظام دفع بديل. لكن بكين لم تبدأ هذا المشروع بدافع الرغبة في إسقاط الدولار فقط، وإنما بدافع حماية نفسها من سيناريوهات ترى أنها أصبحت واقعية، خاصة بعد العقوبات الغربية الواسعة على روسيا وتجميد جزء من احتياطياتها الأجنبية. فقد فهمت القيادة الصينية أن الاحتفاظ باحتياطيات ضخمة أو تحقيق فوائض تجارية لا يكفي إذا كانت البنية التي تدير الأموال تقع خارج سيطرتها.غير أن كثيرا من الخطاب الإعلامي يصور الأمر وكأن إنشاء نظام CIPS يعني تلقائيا نهاية SWIFT، وهذه قراءة سطحية. فسويفت في الأصل ليس مصرفا ولا يصدر العملات، بل هو شبكة رسائل مالية تربط المؤسسات المصرفية. أما النفوذ الحقيقي فينبع من أن معظم تلك الرسائل تتعلق بمدفوعات تتم بالدولار، ومن أن النظام المالي الأمريكي يظل المركز الذي تستقر فيه نسبة كبيرة من تلك العمليات. ولذلك فإن بناء شبكة رسائل جديدة لا يعني بالضرورة بناء نظام مالي عالمي جديد.


المشكلة الأكبر التي تواجه الصين ليست في التكنولوجيا، بل في الثقة. فالاقتصاد الحديث لا يقوم فقط على حجم الناتج المحلي أو قوة الصناعة، وإنما على اطمئنان المستثمرين إلى أن أموالهم يمكن أن تدخل وتخرج بحرية، وأن القوانين مستقرة، وأن القضاء مستقل، وأن القرارات الاقتصادية لا تتغير فجأة بقرار سياسي. وهذه العناصر هي التي جعلت الدولار عملة عالمية، قبل أن يكون الاقتصاد الأمريكي الأكبر في العالم.فالدولة التي تريد أن تجعل اليوان عملة دولية ما زالت تفرض قيودا على حركة رؤوس الأموال، وتحتفظ بسيطرة قوية على سعر الصرف، وتتدخل بصورة مباشرة في إدارة القطاع المالي. وهذه السياسات قد تكون مفهومة من منظور حماية الاستقرار الداخلي، لكنها في الوقت نفسه تقلل من جاذبية اليوان كعملة احتياط عالمية.إن العملة العالمية ليست مجرد رمز مطبوع على الأوراق النقدية، بل عقد ثقة بين الدولة والعالم. وكلما زادت القيود على حركة الأموال، انخفض استعداد المستثمرين للاحتفاظ بتلك العملة على المدى الطويل. ولذلك فإن الصين تجد نفسها أمام معادلة معقدة: إذا فتحت نظامها المالي بالكامل، فقد تتعرض لتقلبات كبيرة تهدد استقرارها الاقتصادي، وإذا أبقت القيود الحالية، فسيظل اليوان أقل جاذبية من الدولار.ولذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل تستطيع الصين إنشاء نظام دفع بديل؟ بل: هل تستطيع بناء منظومة مؤسساتية تجعل العالم يثق في اليوان كما وثق بالدولار لعقود؟ لأن التاريخ يعلمنا أن العملات لا تفرض نفسها بالقوة الاقتصادية وحدها، وإنما بقوة المؤسسات التي تقف خلفها.


إذا كانت القوة العسكرية هي الوجه الصلب للهيمنة، فإن النظام المالي هو وجهها الناعم. ولهذا فإن من يعتقد أن الدولار مجرد عملة يتداولها الناس في الأسواق، يغفل حقيقة أن الدولار هو أكثر الأدوات السياسية فعالية في التاريخ الحديث. فالإمبراطوريات القديمة كانت تحتاج إلى الجيوش لفرض إرادتها، أما الولايات المتحدة فقد نجحت في بناء نظام يجعل العالم، في كثير من الأحيان، يلتزم بقواعدها الاقتصادية حتى من دون وجود جندي أمريكي واحد على أرضه.لقد أعادت واشنطن تعريف مفهوم القوة. فلم تعد السيطرة تعني احتلال الأراضي، بل احتلال مسارات التجارة، وأسواق المال، وشبكات المدفوعات، ومراكز القرار المالي. ومن هنا أصبحت وزارة الخزانة الأمريكية، في بعض الملفات، أكثر تأثيرا من وزارة الدفاع، لأن قرارا واحدا بفرض عقوبات مالية قد يشل اقتصاد دولة بأكمله، دون إطلاق رصاصة واحدة. أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث مع إيران وروسيا وفنزويلا، حيث لم تكن العقوبات مجرد منع للتجارة، بل عزل تدريجي عن النظام المالي العالمي. وعندما جُمِّدت الأصول الروسية في الخارج بعد الحرب في أوكرانيا، لم يكن الحدث اقتصاديا فقط، بل كان رسالة سياسية إلى كل القوى الصاعدة: الاحتفاظ بالثروة داخل النظام المالي الغربي لا يعني أنك تملكها بالكامل إذا أصبحت خصما سياسيا للغرب.وتحديدا بدأت الصين تعيد النظر في مفهوم الأمن القومي. فالأمن لم يعد يقتصر على امتلاك جيش قوي أو اقتصاد ضخم، بل أصبح يشمل امتلاك بنية مالية مستقلة لا تستطيع القوى المنافسة تعطيلها بقرار سياسي. ولهذا لم يكن إنشاء نظام CIPS خطوة تقنية، بل كان جزءا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليل قابلية الاقتصاد الصيني للضغط الخارجي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا لم يتحول اليوان، رغم قوة الاقتصاد الصيني، إلى منافس حقيقي للدولار؟ الإجابة تكمن في أن الاقتصاد العالمي لا تحكمه المصانع وحدها، بل تحكمه أيضا الثقة. فالصين قد تكون أكبر مصنع في العالم، لكنها ليست أكبر سوق مالية، وليست الدولة التي تمنح المستثمرين أعلى درجات اليقين القانوني. والمال، بطبيعته، يخشى الغموض أكثر مما يخشى المنافسة.


لقد بنت الولايات المتحدة هيمنتها المالية عبر مؤسسات راسخة: بنك مركزي يتمتع بقدر كبير من الاستقلال، وسوق سندات هي الأكبر والأكثر سيولة في العالم، ونظام قانوني يمنح المستثمرين شعورا بإمكانية الدفاع عن حقوقهم. هذه المنظومة، رغم ما يوجه إليها من انتقادات، صنعت ثقة تراكمت عبر عقود، وهي الثقة التي تجعل الدولار ملاذا في أوقات الأزمات، حتى عندما تكون الأزمة نفسها قد بدأت في الولايات المتحدة.أما الصين، فما زالت تتعامل مع النظام المالي بعقلية الدولة التي تخشى فقدان السيطرة. فهي تحد من حرية انتقال رؤوس الأموال، وتتدخل في سوق الصرف، وتحتفظ للدولة بدور واسع في توجيه النشاط الاقتصادي. وقد يكون لهذه السياسات مبررات داخلية، لكنها تجعل المستثمر الدولي أكثر حذرا في التعامل مع اليوان كعملة احتياط أو كأصل طويل الأجل.ويظهر التناقض الأكبر في المشروع الصيني. فبكين تريد أن يصبح اليوان عملة عالمية، لكنها لا تريد التخلي عن أدوات السيطرة التي تراها ضرورية لاستقرارها الداخلي. إلا أن التاريخ الاقتصادي يشير إلى أن العالمية والانغلاق لا يجتمعان بسهولة. فالعملة التي يريد العالم الاحتفاظ بها يجب أن تكون مدعومة بسوق مفتوحة، وبإمكانية الدخول والخروج دون قيود استثنائية. يكثر الحديث عن مجموعة بريكس بوصفها التكتل القادر على إنهاء عصر الدولار. لكن هذا الخطاب يحمل قدرا من المبالغة. فدول بريكس ليست كتلة اقتصادية متجانسة، بل تجمعها مصالح متقاطعة وتفرقها اختلافات سياسية واقتصادية عميقة. فالهند، على سبيل المثال، تنظر إلى الصين باعتبارها منافسا استراتيجيا، والبرازيل وجنوب أفريقيا تواجهان تحديات داخلية مختلفة، بينما تسعى كل دولة إلى حماية مصالحها الوطنية قبل أي مشروع مالي مشترك.لهذا فإن فكرة إنشاء عملة موحدة لبريكس تبدو، في الوقت الراهن، أقرب إلى الطموح السياسي منها إلى المشروع القابل للتنفيذ. أما الأكثر واقعية فهو زيادة استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية، وتقليل الاعتماد على الدولار تدريجيا، دون إعلان قطيعة كاملة معه.ومن الأخطاء الشائعة أيضا الاعتقاد بأن اليوان الرقمي سيقضي على الدولار. فالتحول الرقمي لا يغير وحده موازين القوة. فالعملة الرقمية، مهما بلغت كفاءتها التقنية، لا تصبح عالمية إلا إذا وثق العالم بالجهة التي تصدرها. ولذلك فإن السؤال ليس: هل اليوان رقمي؟ بل: هل العالم مستعد للاحتفاظ به بنفس مستوى استعداده للاحتفاظ بالدولار؟


إن التكنولوجيا يمكن أن تسهل المدفوعات، لكنها لا تصنع الثقة. والثقة هي العملة الحقيقية التي يتنافس عليها الجميع.ولهذا، فإن المعركة بين الصين والولايات المتحدة ليست معركة تطبيقات مالية أو شبكات تحويل أموال، بل معركة على من يملك القدرة على تعريف قواعد الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين. فالصين لا تسعى فقط إلى بناء نظام دفع جديد، بل إلى تقليص احتكار الغرب للمؤسسات التي تدير الاقتصاد الدولي. وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن فقدان احتكار الدولار لن يعني مجرد خسارة مالية، بل تراجعا في قدرتها على توجيه السياسة الدولية. فإن مستقبل النظام المالي لن يتحدد فقط بحجم الناتج المحلي أو حجم التجارة، بل بقدرة كل طرف على إنتاج الثقة، وبناء المؤسسات، وإقناع العالم بأن مصالحه ستكون أكثر أمنا داخل النظام الذي يقترحه.وراء كل عملة عالمية فلسفة سياسية، ووراء كل نظام مالي تصور معين للعالم. ولهذا فإن الصراع الدائر اليوم بين الولايات المتحدة والصين ليس مجرد منافسة بين الدولار واليوان، بل هو صراع بين نموذجين مختلفين لتنظيم الاقتصاد والسلطة. فالولايات المتحدة تقدم نفسها بوصفها حارسة اقتصاد السوق المفتوح، بينما تقدم الصين نفسها باعتبارها نموذجا لدولة قوية تقود التنمية عبر التخطيط والتدخل. والسؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه هو: أي النموذجين يستطيع أن يمنح العالم الثقة الكافية لقيادة النظام المالي الدولي؟ إن النقاش الدائر حول نهاية الدولار غالبا ما يتأثر بالرغبات السياسية أكثر من الحقائق الاقتصادية. فهناك من يتمنى سقوط الهيمنة الأمريكية فيفسر كل خطوة صينية على أنها بداية النهاية، وهناك من يرفض الاعتراف بصعود الصين فيتعامل مع كل إنجاز تحققه على أنه مجرد دعاية. لكن التحليل الجاد يقتضي الابتعاد عن هذا الاستقطاب والنظر إلى البنية العميقة للنظام العالمي.فالدولار لم يصبح العملة الأولى لأن الولايات المتحدة كانت الأقوى عسكريا فقط، وإنما لأن النظام المالي الأمريكي استطاع أن يستوعب المدخرات العالمية، وأن يوفر أسواقا ضخمة وعميقة وشفافة نسبيا يمكن للمستثمرين والحكومات والشركات أن يضعوا فيها أموالهم بثقة. وهذه الثقة لم تُبن في سنوات قليلة، بل عبر تراكم تاريخي طويل من المؤسسات والقوانين والأسواق.


أما الصين، فعلى الرغم من نجاحها المذهل في الصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية، فإنها لا تزال تتعامل مع المال بوصفه مجالا يجب أن يخضع لإدارة الدولة أكثر مما يخضع لقوى السوق. وقد أثبت هذا النموذج فعاليته في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، لكنه لم يثبت بعد أنه قادر على إنتاج عملة عالمية تنافس الدولار.فالعملة العالمية لا تحتاج إلى اقتصاد قوي فقط، بل تحتاج إلى قبول عالمي، والقبول العالمي لا يُفرض بقرارات حكومية، بل يُكتسب عندما يشعر المستثمر بأن حقوقه لن تتغير بتغير المزاج السياسي، وأن القضاء مستقل، وأن المعلومات الاقتصادية متاحة، وأن الأسواق تعمل وفق قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها.فكلما زادت الدولة من سيطرتها على الاقتصاد، ازدادت قدرتها على إدارة الأزمات الداخلية، لكنها في الوقت نفسه تقلل من جاذبية عملتها عالميا. وكلما فتحت أسواقها ومنحت المستثمرين حرية أكبر، ازدادت فرص تدويل اليوان، لكنها تعرضت أيضا لمخاطر فقدان جزء من السيطرة التي تعتبرها القيادة الصينية ضرورية لاستقرار النظام.وهذا التناقض ليس تقنيا، بل فلسفي. إنه يعكس اختلافا جذريا بين تصورين للدولة: الأول يرى أن السوق يجب أن يكون مستقلا نسبيا عن السلطة السياسية، والثاني يرى أن السوق أداة من أدوات الدولة. ولذلك فإن معركة اليوان ليست معركة مالية فقط، بل هي معركة بين فلسفتين في الحكم والإدارة. فإن الحديث عن "استبدال الدولار" قد يكون مضللا أصلا. فالتاريخ لا يسير دائما بمنطق الاستبدال الكامل، بل كثيرا ما ينتج أنظمة أكثر تعقيدا. فكما لم تختف العملات الكبرى الأخرى بعد صعود الدولار، قد لا يختفي الدولار إذا صعد اليوان، بل قد ينتقل العالم إلى نظام متعدد العملات، تتوزع فيه مراكز النفوذ المالي بدلا من احتكارها من طرف واحد.


إن ما نشهده اليوم ليس انهيارا للنظام القديم، بل بداية لتآكل احتكاره. فعدد متزايد من الدول يسعى إلى تسوية جزء من تجارته بالعملات المحلية، والبنوك المركزية بدأت تنوع احتياطياتها تدريجيا، والاقتصادات الصاعدة أصبحت أقل استعدادا لقبول الاعتماد المطلق على الدولار. لكن هذا لا يعني أن العالم وجد بديلا مكتملا، بل يعني أنه بدأ يبحث عن بدائل تقلل من المخاطر السياسية والاقتصادية. هل تريد الصين بالفعل بناء نظام عالمي أكثر عدالة، أم أنها تريد فقط أن تصبح هي مركز النظام الجديد؟هذا السؤال لا يوجه إلى الصين وحدها، بل إلى كل قوة صاعدة في التاريخ. فالإمبراطوريات غالبا ما ترفع شعارات التحرر عندما تكون خارج مركز القوة، لكنها تميل إلى إعادة إنتاج أدوات الهيمنة نفسها عندما تصبح في موقع القيادة. وإذا لم يتغير منطق النظام، فإن تبديل الدولة المهيمنة لن يغير طبيعة الهيمنة، بل سيغير اسمها فقط.ولهذا، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على سقوط الدولار أو صعود اليوان، بل على بناء نظام مالي دولي أكثر توازنا، لا تستطيع فيه دولة واحدة استخدام عملتها كسلاح سياسي ضد بقية العالم، ولا تحتكر فيه قوة واحدة قواعد التجارة والتمويل والائتمان. إن القرن الحادي والعشرين قد لا يكون قرن "نهاية الدولار"، بل قرن نهاية الاحتكار المالي. وهذا فرق جوهري يغيب عن كثير من التحليلات. فالصراع الحقيقي ليس بين ورقتين نقديتين، وإنما بين تصورين لمستقبل النظام العالمي: نظام أحادي المركز، ونظام متعدد الأقطاب، تتوزع فيه القوة الاقتصادية والمالية بصورة أكثر توازنا.


في كل مرحلة انتقالية من التاريخ، يعتقد كثيرون أنهم يشهدون سقوط الإمبراطورية القائمة وصعود إمبراطورية جديدة. لكن التاريخ أكثر تعقيدا من هذا التصور. فالإمبراطوريات لا تنهار لأنها فقدت جزءا من قوتها، بل عندما تفقد قدرتها على إقناع الآخرين بأن النظام الذي تقوده ما يزال أفضل من البدائل. ومن هذه الزاوية، فإن مستقبل الدولار لن يتحدد فقط بمعدلات التضخم الأمريكية أو بحجم الدين العام، كما أن مستقبل اليوان لن يتحدد فقط بسرعة نمو الاقتصاد الصيني، وإنما بقدرة كل طرف على إنتاج الثقة، وصياغة قواعد يقبلها العالم.لقد دخل الاقتصاد العالمي مرحلة لم تعد فيها القوة العسكرية وحدها كافية لضمان القيادة، ولم تعد القوة الاقتصادية وحدها قادرة على فرض النفوذ. فالعالم يعيش اليوم في شبكة معقدة من الاعتماد المتبادل، حيث تتشابك التجارة، والتكنولوجيا، والطاقة، والتمويل، والبيانات. وفي مثل هذا العالم، تصبح العملة العالمية أكثر من وسيلة للتبادل؛ إنها معيار للثقة، وأداة لتوزيع النفوذ، وآلية لتحديد من يكتب قواعد اللعبة. فمن جهة، تعاني الولايات المتحدة من مستويات مرتفعة من الدين العام، واستقطاب سياسي داخلي، وتحديات اقتصادية متزايدة. ومن جهة أخرى، لا يزال المستثمرون في أوقات الأزمات يفرون إلى الدولار وسندات الخزانة الأمريكية، لا هربا من المخاطر فحسب، بل لأنهم لا يجدون حتى الآن بديلا يوفر المستوى نفسه من السيولة والعمق المؤسسي والثقة. وهذه الحقيقة تكشف أن قوة الدولار لا تقوم فقط على قوة الولايات المتحدة، بل أيضا على ضعف البدائل المطروحة. تمثل الصين ظاهرة تاريخية مختلفة. فهي أول قوة اقتصادية صاعدة تنافس الولايات المتحدة دون أن تتبنى بالكامل النموذج السياسي والاقتصادي الليبرالي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية. لقد نجحت في بناء قاعدة صناعية هائلة، وحققت قفزات كبيرة في التكنولوجيا، ووسعت نفوذها التجاري عبر آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وربطت عشرات الدول بمشروعات البنية التحتية والاستثمار. لكنها لا تزال تواجه سؤالا لم تستطع الإجابة عنه بصورة حاسمة: هل يمكن بناء عملة عالمية في ظل نظام مالي شديد المركزية، وقيود على حركة رؤوس الأموال، ودور واسع للدولة في توجيه الأسواق؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل اليوان، بل مستقبل النظام المالي العالمي كله. فإذا أرادت بكين أن يتحول اليوان إلى عملة احتياط عالمية، فإنها ستجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات مؤسسية، مثل توسيع حرية حركة رأس المال، وتعزيز الشفافية، وطمأنة المستثمرين الدوليين. أما إذا تمسكت بالنموذج الحالي، فقد تنجح في توسيع استخدام اليوان إقليميا، لكنها ستجد صعوبة في تحويله إلى بديل عالمي للدولار.فإن الحديث عن انتهاء هيمنة الدولار يبدو متسرعا. فالأقرب إلى الواقع أن العالم يتجه نحو تراجع نسبي في الهيمنة الأمريكية، لا إلى انهيارها. وهذا التراجع لا يعني اختفاء الدولار، بل يعني أن حصته في التجارة والاحتياطيات والمدفوعات الدولية قد تنخفض تدريجيا مع صعود عملات أخرى، وفي مقدمتها اليوان واليورو، وربما العملات الرقمية السيادية في المستقبل.لكن هذا التحول، إذا حدث، لن يكون انتصارا كاملا للصين، بل سيكون تعبيرا عن انتقال العالم من الأحادية إلى التعددية. فالنظام الدولي الجديد لن يحتمل على الأرجح وجود مركز مالي واحد يحتكر القرار كما كان الحال خلال العقود الماضية، وإنما سيقوم على توازنات أكثر تعقيدا، تتوزع فيها القوة بين عدة أقطاب اقتصادية ومالية. وينبغي توجيه نقد إلى الخطابين المتقابلين. فالخطاب الأمريكي الذي يفترض أن هيمنة الدولار قدر دائم يتجاهل أن التاريخ لم يعرف قوة بقيت في موقع القيادة إلى الأبد. فإن الخطاب الذي يحتفل كل عام بـ"موت الدولار" يتجاهل أن العملات العالمية لا تسقط بالشعارات، بل عندما يفقد العالم ثقته في المؤسسات التي تحميها ويجد بديلا أكثر موثوقية.


إن الصين تستطيع بناء نظام دفع بديل، وتستطيع توسيع استخدام اليوان، وتستطيع تقليل اعتماد حلفائها على الدولار، لكنها لا تستطيع إنهاء هيمنة الدولار بمجرد إنشاء شبكة مالية جديدة. فالمشكلة ليست في شبكة التحويلات، بل في البنية العميقة للنظام المالي العالمي، التي تشكلت عبر عقود من التراكم المؤسسي والاقتصادي والسياسي.هل سينتهي عصر الدولار؟ بل: هل يستطيع العالم بناء نظام مالي أكثر عدالة، لا تتحول فيه العملة إلى أداة للعقاب السياسي، ولا تصبح فيه العقوبات بديلا عن القانون الدولي، ولا تحتكر فيه دولة واحدة القدرة على تحديد من يشارك في الاقتصاد العالمي ومن يُقصى منه؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل القرن الحادي والعشرين أكثر مما ستحدده المنافسة بين الدولار واليوان.لا يبدو أن الصين تخوض حربا لإسقاط الدولار بقدر ما تخوض معركة لتقليص النفوذ الذي يمنحه الدولار للولايات المتحدة. وهذه معركة طويلة، لا تُحسم بإطلاق عملة رقمية، ولا بإنشاء نظام دفع جديد، ولا حتى بتوقيع اتفاقيات تجارية بالعملات المحلية. إنها معركة على إعادة توزيع الثقة العالمية، وإعادة صياغة قواعد الاقتصاد الدولي، وبناء مؤسسات تستطيع منافسة المؤسسات التي قادت النظام المالي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.وربما تكون النتيجة الأكثر واقعية خلال العقود المقبلة ليست نهاية الإمبراطورية المالية الأمريكية، ولا ميلاد إمبراطورية مالية صينية، بل ظهور عالم أقل احتكارا وأكثر تعددية، تتراجع فيه قدرة أي دولة على فرض إرادتها المالية منفردة، ويصبح النفوذ الاقتصادي موزعا بين عدة مراكز قوة. عندها لن يكون السؤال من يملك العملة الأقوى؟ بل: من يملك المؤسسات الأكثر قدرة على كسب ثقة العالم.


#زكريا_نمر