ليست الأزمة في جنوب السودان أن أسعار الوقود ترتفع، بل إن الارتفاع أصبح هو القاعدة، بينما الاستقرار هو الاستثناء. والأسوأ من ذلك أن هذا يحدث في دولة يعيش اقتصادها على النفط. لا يعود الوقود مجرد سلعة، بل يتحول إلى معيار يقاس به نجاح الدولة أو فشلها. فعندما تعجز دولة نفطية عن توفير الوقود لمواطنيها بسعر معقول، فإن الأزمة ليست في النفط، وإنما في الدولة التي تدير النفط.تكشف أزمة الوقود حقيقة يصعب إنكارها جنوب السودان لا يعاني من شح الموارد، بل من شح الإدارة الرشيدة. فالدولة التي تمتلك النفط، والأرض الزراعية، والمياه، والثروة الحيوانية، لا ينبغي أن تكون دولة تستورد الأزمات. غير أن ما حدث منذ الاستقلال هو أن الثروة تحولت إلى ريع سياسي، لا إلى مشروع اقتصادي، وأصبحت الإيرادات وسيلة لإدارة السلطة أكثر من كونها أداة لبناء الدولة.
إن الدولة الحديثة لا تقاس بحجم ما تملكه من موارد، بل بقدرتها على إدارة تلك الموارد. والنفط، في التجارب الناجحة، كان نقطة انطلاق نحو التصنيع والتعليم والبنية التحتية. أما في التجارب الفاشلة، فقد تحول إلى وقود للفساد، وتضخم الجهاز الحكومي، وتآكل المؤسسات، وغياب المساءلة. والسؤال الذي يفرض نفسه هو إلى أي النموذجين ينتمي جنوب السودان؟ إن الاقتصاد الذي يقوم على بيع النفط الخام واستيراد كل شيء آخر ليس اقتصادا منتجا، بل اقتصادا استهلاكيا هشا. فالدولة تصدر المادة الخام، ثم تعود لتستورد مشتقاتها النفطية بأسعار أعلى، وتستورد الغذاء والدواء ومواد البناء، وحتى كثيرا من السلع البسيطة. وهذه ليست دورة اقتصادية، بل حلقة من التبعية تستنزف الموارد عاما بعد عام.وتبرز معضلة الاحتكار. ففي جوبا، كما في مدن أخرى، يحضر مستثمرون أجانب بقوة في قطاع الوقود، ومن بينهم عدد من المستثمرين الصوماليين الذين يديرون محطات وشركات تعمل في هذا المجال. وهذه الظاهرة لا ينبغي أن تقرأ من زاوية الجنسية، لأن الاقتصاد لا يبنى على التمييز، بل على المنافسة وسيادة القانون. لكن من المشروع أن يُطرح سؤال جوهري لماذا أصبح المستثمر الأجنبي أكثر قدرة على دخول القطاعات الاستراتيجية من المستثمر الوطني؟ ولماذا لم تنجح الدولة في بناء بيئة تضمن تكافؤ الفرص وتمنع تركز السوق في أيدي عدد محدود من الشركات؟
إن نجاح المستثمر ليس مشكلة، أما فشل الدولة في تنظيم السوق فهو المشكلة الحقيقية. فالاحتكار لا ينشأ من فراغ، بل ينمو عندما تغيب المؤسسات الرقابية، وتضعف قوانين المنافسة، وتختلط السلطة بالمصالح الاقتصادية. وعندها يصبح المستهلك الحلقة الأضعف، ويدفع المواطن ثمن سوق لا تحكمها المنافسة بقدر ما تحكمها موازين النفوذ.ولا يمكن فصل ذلك عن الانهيار المستمر في قيمة الجنيه الجنوب سوداني. فالعملة الوطنية ليست مجرد وسيلة للتبادل، بل مرآة لصحة الاقتصاد. وكل اقتصاد يعتمد على الواردات أكثر من الإنتاج، وعلى الريع أكثر من الاستثمار، سيكون عرضة لتدهور عملته وارتفاع معدلات التضخم. لذلك فإن أزمة الوقود ليست سوى أحد أعراض مرض اقتصادي أعمق.ثم يبرز السؤال الذي يتهرب منه الخطاب الرسمي منذ سنوات أين ذهبت عائدات النفط؟ ولماذا لم تبن مصافٍ حديثة؟ ولماذا لم يُستثمر في الطاقة، أو الزراعة، أو الصناعة، أو البنية التحتية بما يخفف من هشاشة الاقتصاد؟ إن غياب الإجابات المقنعة لا يزيد إلا من اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.و ما في الأزمة أنها لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة عدالة. فكل زيادة في أسعار الوقود تعني ارتفاعا في تكاليف النقل والغذاء والدواء والتعليم، بينما تتحمل الأسر محدودة الدخل العبء الأكبر. وتبقى الفئات الأكثر ثراءً وقدرة على الوصول إلى الموارد أقل تأثرا. وهكذا تتحول الثروة الوطنية، التي كان يفترض أن تكون وسيلة لتحقيق العدالة، إلى عامل يعمق التفاوت الاجتماعي.
لقد أثبت التاريخ أن الموارد الطبيعية لا تبني الدول، بل قد تدمرها إذا غابت المؤسسات. فالدولة التي تعجز عن حماية المنافسة، ومكافحة الاحتكار، وإدارة المال العام بشفافية، تتحول تدريجيا إلى دولة ريعية، يصبح فيها الاقتصاد تابعا للسياسة، والسياسة تابعة للمصالح الضيقة.إن جنوب السودان لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى تغيير في فلسفة إدارة الدولة. يحتاج إلى مؤسسات مستقلة لا تخضع للنفوذ، وإلى قوانين تطبق على الجميع، وإلى اقتصاد يقوم على الإنتاج لا على الريع، وعلى المنافسة لا على الاحتكار، وعلى الكفاءة لا على الامتيازات.إن الأزمة ليست أزمة وقود، بل أزمة نموذج حكم. وما لم يُعاد تعريف وظيفة الدولة باعتبارها حارسًا للمصلحة العامة، لا وسيطًا بين مراكز النفوذ، فإن النفط سيظل يخرج من باطن الأرض، بينما يزداد الفقر فوقها. وستبقى الدولة غنية بالموارد، وفقيرة في التنمية، قوية في جباية الإيرادات، وضعيفة في حماية المواطن.إن الأمم لا تسقط عندما تنضب ثرواتها، وإنما عندما تعجز عن إدارة تلك الثروات بعقل الدولة. وهذه هي المعضلة الكبرى التي يواجهها جنوب السودان اليوم: ليس نقص النفط، بل غياب الدولة التي تعرف كيف تجعل من النفط مشروعًا لبناء الوطن، لا وقودًا لاستدامة الأزمات.
#زكريا_نمر