في الحروب، لا تُستخدم الصواريخ وحدها، بل تُستخدم معها البيانات، والروايات، وحروب الوعي. ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: من قصف؟ بل أيضًا: لماذا ينكر من قصف؟
إذا كانت الضربة العسكرية تحقق هدفًا استراتيجيًا، فلماذا يسارع الطرف المنفذ – إن صحّت الرواية – إلى نفي مسؤوليته، وترك آخرين يتولون تبني الرواية أو تبريرها؟
هذا السلوك يثير تساؤلات مشروعة. ففي العادة، تتباهى الدول بعملياتها العسكرية عندما ترى أنها تحقق لها مكسبًا سياسيًا أو عسكريًا، لكنها قد تلجأ إلى الإنكار إذا رأت أن الاعتراف سيحملها كلفة سياسية أو قانونية أو دبلوماسية أكبر من المكسب نفسه.
ومن هنا، فإن الدفع بأطراف أخرى لتبنّي الرواية، أو الحديث عن أن "طائرات يمنية" هي التي نفذت الضربة، يبدو – في نظر كثيرين – محاولة لتخفيف المسؤولية المباشرة، أو لإدارة المشهد إعلاميًا بطريقة تقلل من تبعاته.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل يمكن لمثل هذه الروايات أن تُقنع الخصم؟
الجواب يبدو أكثر تعقيدًا. فالخصم الذي يعلن صراحة مسؤوليته عن عملياته العسكرية، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، لن يغيّر تقديره للأحداث بسبب رواية إعلامية مضادة. فهو يبني مواقفه على معلوماته وتقديراته، لا على البيانات الرسمية للطرف الآخر.
وفي المقابل، فإن إنكار المسؤولية لا يغيّر بالضرورة من الوقائع على الأرض، بقدر ما يعكس حسابات سياسية تتعلق بإدارة الأزمة، أو تجنب التصعيد، أو المحافظة على صورة معينة أمام المجتمع الدولي.
ولكي أكون واضحًا، فإن هذا المقال لا ينطلق من موقف مؤيد لأي طرف. فلا السعودية تمثلني، ولا الحوثي يعبر عني. كلاهما كان سببًا في معاناة اليمن واليمنيين، وكل طرف يتحمل نصيبًا من المسؤولية عن الدم والدمار الذي عاشته البلاد.
ولذلك، فإن موقفي ثابت لا يتغير بتغير الاصطفافات: لست مع الظالم لأنه خصم خصمي، ولا ضد المظلوم لأنه يختلف معي. وإنما مع الحقيقة حيث كانت، ومع حق الإنسان اليمني في أن يعيش بعيدًا عن صراعات القوى ومشاريع النفوذ.
وأختم بما أدعو به دائمًا:
اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين.
اللهم آمين
الثلاثاء الموافق 14 يوليو 2026