لـدى أبـنائنا القدرة… لكـن أين الإمـكانيات؟

السبت - 16 مايو 2026 - 07:19 م


د.هاني بن محمد القاسمي
بقلم: د.هاني بن محمد القاسمي
ارشيف الكاتب



ليـست المشكلة في هذا الوطن يومًا نقصًا في العقول، ولا فقرًا في المواهب، ولا عجزًا في الإرادة.


فـ اليـمن، رغم ما أثقل كاهله من أزمات، ما يزال يُنجب في كل حيٍّ شابًا يحمل فكرة، وفي كل جامعة عقلًا قادرًا على الابتكار، وفي كل مدرسة حلمًا ينتظر من يمنحه فرصة الحياة.


لكـن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كانت القدرة موجودة، فأين الإمكانيات؟


إن أخـطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس غياب الموارد، بل تعطيل الطاقات البشرية؛ لأن الثروة الحقيقية لا تُقاس بما تحت الأرض، بل بما يُبنى فوقها من عقول ومهارات ومشاريع قادرة على صناعة المستقبل.


والشـباب اليوم لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون فقط بيئة تؤمن بهم، وتستمع إليهم، وتتعامل مع أفكارهم باعتبارها مشروع نهضة، لا مجرد أحلام عابرة.


لـقد أثبتت التجارب الحديثة أن كثيرًا من التحولات الكبرى بدأت من فكرة صغيرة داخل جامعة، أو مشروع تخرج متواضع، أو مبادرة شبابية لم تجد في بدايتها سوى الإيمان والإصرار.


لكـن الفرق بين الدول التي نهضت وتلك التي بقيت تراوح مكانها، أن الأولى أحسنت احتضان شبابها، بينما اكتفت الأخرى بالتصفيق لمواهبهم ثم تركتهم يواجهون الإحباط وحدهم.


وفـي واقعنا اليمني، لا تزال هناك فجوة مؤلمة بين الطاقات المتوفرة والإمكانيات الممنوحة؛ فكم من مشروع شبابي مات قبل أن يولد؟ وكم من فكرة ابتكارية وُضعت في الأدراج لأنها لم تجد دعمًا أو احتضانًا؟ وكم من شاب اضطر لدفن طموحه تحت ضغط الحاجة وقسوة الظروف؟


إن الاسـتماع إلى الشباب اليوم، أصبح ضرورة وطنية؛ فـالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية تُستخدم في الخطب والشعارات، بل هم شركاء حقيقيون في صناعة القرار وبناء المستقبل. ومن الحكمة أن تتحول الجامعات من مؤسسات تلقين تقليدية إلى حواضن للإبداع والإنتاج، بحيث تصبح مشاريع التخرج والابتكارات الطلابية جزءًا من خطط التنمية، لا مجرد متطلبات أكاديمية تنتهي بانتهاء العام الدراسي.


ومن الأفـكار الجديرة بالاهتمام أن تُخصص نسب أو صناديق دعم داخل الجامعات والمؤسسات الرسمية والخاصة لتمويل المشاريع الطلابية المتميزة، بحيث يُمنح أصحاب الأفكار القابلة للتطبيق فرصة حقيقية للتحول من مرحلة التنظير إلى التنفيذ.


فـ حيـن يشعر الطالب أن مشروعه قد يجد طريقه إلى الواقع، سيتحول التعليم من عملية حفظ جامدة إلى عملية إنتاج حقيقية للمعرفة والحلول.


كما أن ربـط الجامعات بسوق العمل، وتشجيع القطاع الخاص على تبني المشاريع الناجحة، وفتح منصات رسمية لعرض الابتكارات الشبابية، كلها خطوات يمكن أن تصنع فارقًا هائلًا في مستقبل البلد.


فـ الأمـم لا تتقدم فقط بالسياسة، بل بالأفكار التي تتحول إلى إنجازات، وبالعقول التي تجد من يثق بها قبل أن تهاجر أو تنطفئ.


إن الشـباب حين يُمنحون الثقة يصنعون المعجزات، وحين يُحاصرون بالإهمال يتحول الوطن نفسه إلى خاسر كبير؛ لذلك فـإن الاستثمار الحقيقي اليوم ليس في الحجر وحده، بل في الإنسان؛ ليس في المباني فقط، بل في العقول التي تستطيع أن تعيد بناء ما تهدم.


ولـعل أكثر ما يحتاجه شبابنا اليوم ليس الشفقة، بل الفرصة… فرصة عادلة تثبت أن الوطن لا يسمع أصواتهم فقط، بل يؤمن بقدرتهم على حمله نحو مستقبل أكثر استقرارًا وكرامة وازدهارًا.


د. هـاني بن محمد القاسمي

عـدن: 16. مايو. 2026م

.