لا بـد من الاستـقرار الأمـني والاقتـصادي

الثلاثاء - 12 مايو 2026 - 11:47 م


د.هاني بن محمد القاسمي
بقلم: د.هاني بن محمد القاسمي
ارشيف الكاتب



لا يـمكن لأي وطن أن ينهض وهو يعيش على إيقاع القلق، ولا لأي مجتمع أن يبني مستقبله في ظل خوفٍ يبدّد الطمأنينة، أو فقرٍ يلتهم أحلام الناس ويُقوّض قدرتهم على الصبر والاستمرار.


فـ الأمـن والاقتصاد ليسا ملفّين منفصلين في حياة الدول، بل جناحان لا يستقيم التحليق بدونهما، وركيزتان تقوم عليهما كرامة الإنسان وهيبة الوطن معًا.


إن الاستـقرار الأمني لا يعني فقط غياب السلاح أو انخفاض معدلات الجريمة، بل يعني قبل ذلك حضور الدولة العادلة القادرة على فرض القانون على الجميع دون استثناء، وصيانة الحقوق، وحماية الأرواح والممتلكات، وإشعار المواطن بأن هناك مؤسسات تحرس يومه ومستقبله، لا أن تتركه وحيدًا في مواجهة الفوضى والمخاوف.


فـ حيـن يضعف الأمن، تتراجع الثقة، وتتآكل هيبة الدولة، ويتحول الناس من التفكير في البناء إلى البحث عن النجاة فقط.


وفـي المقابل، فـإن الاستقرار الاقتصادي ليس رفاهية مؤجلة، بل ضرورة وجودية تحفظ للإنسان كرامته وتمنحه القدرة على الحياة بطمأنينة؛ فالجائع لا يستطيع أن ينشغل بقضايا الوطن الكبرى، والعاطل عن العمل يثقل قلبه الإحباط، والمواطن الذي يطارد أساسيات العيش يوميًا يفقد شيئًا فشيئًا ثقته بكل الشعارات التي لا تنعكس على واقعه.


لـذلك؛ كانت قوة الاقتصاد دائمًا معيارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية مجتمعاتها من الانهيار والتفكك.


والحقـيقة التي تؤكدها تجارب الأمم، أن الأمن والاقتصاد بينهما علاقة متبادلة لا تنفصم؛ فلا استثمار في بيئة مضطربة، ولا تنمية في ظل الفوضى، كما أن التدهور الاقتصادي نفسه يصبح بوابة واسعة للاضطرابات الاجتماعية والانقسامات والصراعات.


ولـهذا؛ فـإن الدول الحكيمة لا تتعامل مع الأمن باعتباره مجرد إجراءات عسكرية، ولا مع الاقتصاد باعتباره أرقامًا وتقارير، بل تنظر إليهما بوصفهما مشروعًا وطنيًا متكاملًا لصون الإنسان وحماية الدولة.


وفـي الحالة اليمنية، تبدو الحاجة إلى هذا الاستقرار أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.


فـقد أثقلت الصراعات كاهل المواطن، واستنزفت مؤسسات الدولة، ودفعت بالكثير من الناس إلى حافة العوز وفقدان اليقين؛ وأصبح المواطن اليمني، في كثير من الأحيان، لا يطلب المستحيل، بل يبحث عن حياة طبيعية تحفظ له أمنه، وراتب يكفي أسرته، وخدمات أساسية تضمن له الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.


إن بـناء الأوطـان لا يبدأ من ضجيج الخطابات، بل من ترسيخ الاستقرار، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة، وخلق فرص العمل، وإدارة الموارد بعقل الدولة لا بعقل المصالح الضيقة.


فـ الوطـن الذي يشعر فيه المواطن بالأمان والإنصاف والقدرة على العيش الكريم، هو وطن قادر على تجاوز أزماته مهما كانت قاسية.


ولا يـمكن الحديث عن كرامة المواطن في أي بلد بينما يعيش خائفًا أو محتاجًا أو مهمّشًا.


فـ الكرامـة الوطنية تبدأ من كرامة الإنسان نفسه، من شعوره بأنه ليس مجرد رقم في معادلة السياسة، بل قيمة عليا تستحق الحماية والرعاية والاحترام، وعندما يتحقق الأمن ويستقر الاقتصاد، تنبعث في الناس روح الانتماء الحقيقي، ويتحول الوطن من ساحة معاناة إلى مساحة أمل وعمل ومستقبل.


لـهذا؛ فـإن معركة الدول الحقيقية ليست فقط في مواجهة خصومها، بل في قدرتها على بناء الاستقرار وصناعة الطمأنينة وإحياء الثقة بين المواطن ووطنه.


فـ الأوطـان لا تُحفظ بالشعارات وحدها، وإنما تُحفظ حين يشعر الإنسان أن له دولة تحميه، واقتصادًا يصون كرامته، ومستقبلًا يستحق أن يعيش من أجله.


د. هـاني بن محمد القاسمي

عـدن: 12. مايو. 2026م

.