عنـدمـا لا نعـترف بأخـطائـنا

الإثنين - 27 أبريل 2026 - 08:12 م


د.هاني بن محمد القاسمي
بقلم: د.هاني بن محمد القاسمي
ارشيف الكاتب



فـي اللحـظة التي يُستبدل فيها الاعتراف بالخطأ بالمكابرة، يتحول الخلاف من مساحةٍ للتصحيح إلى ساحةٍ للصراع، ومن فرصةٍ للإصلاح إلى مدخلٍ للتفكك.


فـ الأخـطاء، في أصلها، جزء من الطبيعة الإنسانية، لكن الإصرار على إنكارها هو ما يضفي عليها طابعًا تدميريًا، يُعيد تشكيل العلاقات على أساس الشك، ويُغذّي نزعات الخصومة، ويُضعف أي إمكانية للالتقاء.


إن المجتمعات التي تفقد شجاعة الاعتراف، تفقد معها القدرة على المراجعة، وحين تغيب المراجعة، تتراكم الأخطاء حتى تتحول إلى منظومات كاملة من الخلل، تُدار بعقلية الدفاع لا بعقلية التصحيح، عـندهـا؛ يصبح كل طرفٍ أسيرًا لسرديته الخاصة، يرى في ذاته الصواب المطلق، وفي الآخر مصدر الخلل كله.


وهـنا؛ تبـدأ دوامة الصراع التي لا تنتهي، لأن جذورها لم تُعالَج، بل جُرفت تحت ركام الإنكار.


سـياسـيًا، يُعدّ إنكار الخطأ أخطر من الخطأ ذاته؛ فالخـطأ قد يكون عابرًا، أو ناتجًا عن تقدير غير موفق، أما إنكاره فهو موقف مستمر يُعيد إنتاج الأزمة ويمنحها شرعية البقاء.


وفـي بيـئات مأزومة أصلًا، كتلك التي تعيشها دول تعاني من هشاشة مؤسسية أو انقسامات داخلية، يتحول هذا السلوك إلى وقودٍ دائم للصراع، يوسّع الهوة بين الفرقاء، ويجعل أي محاولة للتسوية أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع.


إن الصـراع، في جوهره، ليس دائمًا نتيجة تضارب المصالح، بل كثيرًا ما يكون نتيجة تضارب الروايات حول الخطأ: مـن أخـطأ؟ ومَن يتحمل المسـؤولية؟ ومَن يملك شجاعـة الاعتراف؟


وعـندما يُغـلق هذا الباب، تُغلق معه أبواب الحوار، ويُستبدل النقاش بالتخوين، والتفاهم بالتصعيد، والواقعية بالشعارات.


ولا يقـف أثر ذلك عند حدود السياسة، بل يمتد عميقًا إلى النسيج الاجتماعي؛ فالعـلاقات الإنسانيـة، سواء كانت بين أفراد أو جماعات، تقوم على حدٍ أدنى من الصدق المتبادل، وحين يغيب الاعتراف، تتآكل الثقة، وتصبح العلاقات هشّة، قابلة للانهيار عند أول اختبار.


الأسـر نفـسها لا تنجو من هذا الأثر؛ إذ يتحول العناد إلى جدارٍ صامت يفصل بين أفرادها، ويُنتج أجيالًا تتربى على الهروب من المسؤولية بدل مواجهتها.


إن مـا يُهدم بفعل إنكار الأخطاء لا يُعاد بناؤه بسهولة؛ فـ الأوطـان لا تسقط فجأة، بل تتآكل تدريجيًا، حين يُستبدل الصدق بالمكابرة، والمراجعة بالتبرير، والمسؤولية بالتنصل، وكلما طال أمد هذا السلوك، ازدادت كلفة العودة، واشتدّ ثمن التصحيح.


لـذلك؛ فـإن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا كما يُتصوَّر، بل هو أعلى درجات القوة السياسية والأخلاقية؛ هـو المدخـل الحقيقي لأي مصالحة، والأساس المتين لأي إصلاح، وبدونه، ستظل الصراعات تتجدد، والعلاقات تتآكل، والأوطان تدفع الثمن.


فـي النهايـة، لا يكمن الخطر في أن نُخطئ، بل في أن نُصرَّ على أننا لم نُخطئ أبـدًا.


هـنا تبـدأ المأسـاة، وهنا يتسع الشرخ، وهنا يُكتب الفـصل الأكثر قـسوة في تاريخ أي مجتـمع.


د. هـاني بن محمد القاسمي

عـدن: 27. أبريل. 2026م

.