ليـست الأوطـان وحدها من تُحتل بالجيوش، بل قد تُستباح بصمتٍ أخطر، حين تتسلل إليها السلبية فتستوطن النفوس قبل الأرض.
فـ السلبـية ليست مجرد موقف عابر، ولا انكفاءً مؤقتًا أمام تعقيدات الواقع؛ بل هي حالةُ وعيٍ مُختل، تُفرغ الإنسان من مسؤوليته، وتُعطل طاقته، وتُحوله من فاعلٍ في معادلة الوطن إلى متفرجٍ على تآكلها.
إن أخـطر ما في السلبية أنها لا تُحدث ضجيجًا، لكنها تُحدث أثرًا عميقًا؛ فـهي لا تُسقط حقًا بصخب، بل تتركه يتآكل بالتقادم، لا تُعـلن قطيعةً بين الناس، لكنها تنسج بينهم برودًا قاتلًا، حتى تغدو العلاقات هشة، قابلة للكسر عند أول اختبار.
وفـي الفـضاء الوطـني، تتجلى السلبية في أشكال متعددة: صمتٌ عن الخطأ، تبريرٌ للفساد، إحجامٌ عن المبادرة، وتواكلٌ على الآخرين في حمل الأعباء.
وحـين تـتسع دائـرة هذا السلوك، يصبح الوطن كيانًا بلا حراس حقيقيين؛ إذ إن الحقوق لا تضيع حين تُغتصب فقط، بل تضيع حين لا تجد مَنْ يدافع عنها؛ والسلبـية هـنا، تتحول إلى شريكٍ غير معلن في كل انتهاك، لأنها تمنح المعتدي ما يحتاجه: غـياب الردع، وفـراغ المواجـهة.
أمـا على مسـتوى العلاقات الاجتماعـية، فـإن السلبية تُقوض الثقة بين الأفراد؛ فالمجتمع الذي لا يتواصى أفراده بالحق، ولا يتناصحون، ولا يتصدون للخطأ، هو مجتمع يفقد تدريجيًا قدرته على التماسك، ومـع الوقت، تحل الفردية محل الروح الجماعية، ويغدو كل فردٍ منشغلًا بذاته، غير مكترثٍ بما يحيط به، وكأن مصير الآخرين لا يعنيه؛ وهـنا يـبدأ التفكك الصامـت، الذي لا يُرى في لحظته، لكنه يُدرك حين تتسع الفجوة بين الناس، ويغدو الإصلاح أكثر كلفة.
السلبـية كذلك تُفسد الوعـي العـام؛ إذ تُعيد تعريف الممكن والمستحيل في ذهن المجتمع؛ فـما كان يُرفـض بالأمس، يُـقبل اليوم على مضض، ثم يُبرر غدًا، حتى يتحول إلى أمرٍ اعتيادي، وهـكذا تتدرج الأمم في التنازل عن حقوقها، لا بفعل قوة الخصوم فقط، بل بفعل ضعف الإرادة الداخلية.
إن مواجـهة السلبـية أصبح ضرورة وجودية، تبدأ هذه المواجهة بإعادة الاعتبار لقيمة المسؤولية الفردية، وإدراك أن كل موقف - مهما بدا صغيرا - يسهم في تشكيل الصورة الكبرى.
فـ الوطـن لا يُبنى بالخطابات وحدها، بل بالمواقـف اليومية: كلمة حـق، موقف شـجاع، مبادرة صـادقة، ورفضٌ واعٍ لكل ما يسيء إلى المصلحة العامة.
كـما أن إحـياء روح المشاركة، وتعزيز ثقافة المساءلة، وبناء وعيٍ جمعي يرفض الصمت أمام الخطأ، كلها أدوات ضرورية لتحصين المجتمع من هذا السمّ البطيء.
فـ الأوطـان التي ينهض أبناؤها بواجبهم، مهما اشتدت عليها الأزمات، تـظل قادرة على التعافي؛ أمـا تلك التي يستسلم أبناؤها للسلبية، فإنها تتآكل من الداخـل، حتى وإن بدت متماسكة في ظاهـرها.
وفـي المحـصلة؛ السلبـية ليست حـيادًا كما قد يُتصور، بل انحـيازٌ خفـي إلى جانب التراجع.
ومـن أراد لوطـنه الحـياة، فعليه أن يختار موقعه بوضـوح: إما أن يكـون جزءًا من الفعل والبناء، أو - دون أن يشعر - جـزءًا من التآكل والانحـدار.
د. هـاني بن محمد القاسمي
عـدن: 24. أبريل . 2026م
.