التـعـليـم سـلاح الوطـن وخـطة إنـقـاذه

الإثنين - 20 أبريل 2026 - 08:56 م


د.هاني بن محمد القاسمي
بقلم: د.هاني بن محمد القاسمي
ارشيف الكاتب



ليـس ثمة رهانٌ أكثر حسمًا في مصير الأوطان من رهان التعليم؛ فهو ليس قطاعًا خدميًا عابرًا، ولا ملفًا إداريًا يُضاف إلى جداول الحكومات، بل هو البنية التحتية الحقيقية للعقل الجمعي، والرافعة التي تُنهض بها الأمم من عثراتها، وتستعيد بها توازنها حين تتكاثر عليها الأزمات.


وإذا كانت الـدول تُقَاس بقوة اقتصادها أو بصلابة مؤسساتها، فإن جوهر هذه القوة يظل كامنًا في نوعية التعليم الذي تُصْنِع به إنسانها.


التعـليم، في معناه العميق، ليس مجرد نقلٍ للمعرفة، بل هو تشكيلٌ للوعي، وبناءٌ للإنسان القادر على التفكير والنقد والإبداع.


ومـن هـنا؛ فـإن الحديث عن التعليم بوصفه "سـلاح الوطـن" ليس ضربًا من البلاغة، بل توصيفٌ دقيق لوظيفته؛ إذ به تُصان الهوية، وتُحمى القيم، وتُواجه التحديات الفكرية والثقافية التي قد تكون أشدّ خطرًا من أي تهديد مادي.


فـي لحظات الأزمـات، تميل بعض الدول إلى تأجيل إصلاح التعليم، ظنًا أنه ترفٌ يمكن الاستغناء عنه مؤقتًا؛ غير أن التجارب أثبتت أن هذا التأجيل هو في ذاته تعميقٌ للأزمة.


فـ الأوطـان التي تُهمل تعليمها، إنما تُفرّط في مستقبلها، وتُسلم زمامها للجهل والتطرف والتبعية؛ أما تلك التي تجعل من التعليم أولوية، فإنها، وإن تعثرت اقتصاديًا أو سياسيًا، تظل قادرة على النهوض من جديد، لأن لديها رأس المال الحقيقي: الإنـسان الواعـي.


إن تحـويل التعـليم إلى خـطة إنقاذ وطنية يقتضي أولًا إعادة تعريف غاياته؛ فـلا يكفي أن نُخَرِّج أعدادًا من الحاصلين على الشهادات، بل المطلوب أن نصنع عقولًا قادرة على الفهم والتحليل، وأن نؤسس لجيلٍ يمتلك أدوات العصر، ويستوعب تعقيداته، ويستطيع أن يتفاعل معها بوعي لا بتلقٍّ سلبي.


وهـذا يتطلب مراجعة جذرية للمناهج، بحيث تنتقل من الحفظ والتلقين إلى التفكير والإبداع، ومن الجمود إلى التفاعل مع الواقع.


كـما أن المـعـلم، في هذا السياق، يجب أن يُـعاد الاعتبار إليه، لا بوصفه موظفًا يؤدي واجبًا، بل باعتباره مهندس العقول وصانع المستقبل؛ فـلا إصلاح تعليمي حقيقي دون تمكين المعلم علميًا ومهنيًا، وتحسين أوضاعه، ومنحه المكانة التي تليق بدوره.


فـالمـعـلم الضعيف لا يمكنه أن يصنع جيلًا قويًا، والمُهَمَّش لا يستطيع أن يُلـهم.


ولا يقـل أهـمية عن ذلك بناء بيئة تعليمية متكاملة، تتوافر فيها الإمكانات الأساسية، وتُدار بعقلية حديثة تستثمر في التكنولوجيا دون أن تفقد البعد الإنساني للعملية التعليمية؛ فـ التعـليم اليوم لم يعد محصورًا في جدران الصف، بل أصبح فضاءً مفتوحًا يتداخل فيه الرقـمي مع الواقـعي، والمـعرفة مع المـهارة.


غـير أن أخـطر ما يواجه التعليم في بعض البيئات ليس ضعف الإمكانات فحسب، بل غياب الرؤية؛ فحـين يُدار التعليم بردود الأفعال، أو يخضع لتجاذبات سياسية ومصلحية، يفقد بوصلته، ويتحول إلى عبء بدل أن يكون أداة إنقاذ.


ومـن هـنا؛ فـإن بناء استراتيجية وطنية للتعليم يجب أن يكون مشروعًا جامعًا، يتجاوز الحسابات الضيقة، ويستند إلى رؤية طويلة المدى، تُبنى على دراسة الواقع واستشراف المستقبل.


إن الوطـن الذي يستثمر في تعليمه، إنما يستثمر في أمنه واستقراره ووحدته؛ فـالتعـليم الجيد يُنتج مواطنًا مدركًا لحقوقه وواجباته، محصنًا ضد خطاب الكراهية، وقـادرًا على الإسهام في البناء لا الـهدم.


وفـي المقـابل، فـإن إهمال التعليم يفتح الأبواب أمام الانقسام، ويُضعف مناعة المجتمع، ويجعله عرضة لكل أشكال الاستغلال.


وعـليه؛ فـإن التعليم ليس خيارًا من بين خيارات، بل هو الخيار الذي تتوقف عليه بقية الخيارات، إنه السـلاح الذي لا يصدأ، والخطة التي لا تخيب إن أُحسن إعدادها وتنفيذها.


ومـن يـدرك هذه الحقيقة، يـدرك أن معركة الوطن الحقيقية تبدأ من قاعة الدرس، وأن طريق الإنقاذ يمر أولاً عبر كتابٍ يُقرأ، وعقلٍ يُنير، وإنسانٍ يُبنى على أسس من العلم والوعي.


فـي نهاية المطاف، لا تُنقذ الأوطان بالشعارات، بل تُبنى بالمعرفة، ولا تُصان بالانفعال، بل تُحمى بالعقل... والتـعـليم، في هـذا كله، هـو البداية... وهـو الخاتمة.


د. هـاني بن محمد القاسمي

عـدن: 20. أبريل. 2026م

.