ليـست الجـريمةُ - في كثيرٍ من الأحيان - وليدةَ طبعٍ منحرفٍ أو نزعةٍ فرديةٍ معزولة، بل هي ثمرةُ بيئةٍ مضطربةٍ اختلَّ فيها ميزانُ النظام، وتراجعت فيها هيبةُ القانون، وغاب عنها الشعورُ الجمعيُّ بالمسؤولية.
فـ حيـثما تسودُ الفوضى، ينفتح البابُ واسعًا أمام كلِّ أشكال الانحراف، ويُغدو الخروجُ على القواعد سلوكًا مألوفًا لا يُستغرَب، بل قد يُبرَّر أحيانًا تحت ضغط الحاجة أو غياب الردع.
إنَّ النـظام الـعام ليس مجردَ نصوصٍ قانونيةٍ تُدوَّن في الدساتير، ولا تعليماتٍ إداريةٍ تُعلَّق على الجدران؛ إنما هو حالةٌ من التوازن الدقيق بين السلطة والعدالة، وبين الحقوق والواجبات، وبين الحرية والمسؤولية.
فـ إذا اضـطرب هذا التوازن، تآكلت الثقةُ بالمؤسسات، وشعرَ الفردُ أنَّ المرجعيةَ التي تحميه لم تعد قائمة، فيلجأ - مضطرًا أو مستسهلًا - إلى وسائل بديلة قد تنزلق به إلى حافة الجـريمة.
الفـوضى تُنتج فـراغًا، والفراغ لا يبقى ساكنًا؛ إذ سرعان ما تملؤه قوى غير مشروعة، تستثمر غياب الرقابة، وتحوِّل الاختلال إلى مكاسبه.
وهـنا لا تعـود الجريمة حادثةً طارئة، بل تتحول إلى ظاهرةٍ بنيويةٍ تنمو مع الوقت، وتتغذى من ضعف الإدارة، وتراخي المساءلة، وتضارب الصلاحيات، وتراجع القيم الحاكمة للسلوك العام.
وحـين يشعر المـواطن أن القانون لا يُطبَّق بعدالة، أو أن المؤسسات عاجزةٌ عن أداء وظائفها، تتبدل العلاقة بينه وبين الدولة من علاقةِ ثقةٍ والتزام، إلى علاقةِ حذرٍ وتوجُّس، وربما إلى قطيعةٍ صامتة، وفـي مثل هذه الأجـواء، يضعف الضميرُ العام، ويُستبدل منطقُ الحقِّ بمنطقِ القوة، ومنطقُ النظام بمنطقِ النجاة الفردية.
"إنَّ أخـطر ما تخلِّفه الفوضى ليس ارتـفاع معـدلات الجريمة فحسب، بل اعـتياد المجتمع علـيها"
فـ الخـطر الحقيقي يبدأ حين يفقد الناسُ حسَّ الدهشة تجاه الخـطأ، ويغدو الاستثناءُ قاعـدة، ويتحول تجاوزُ القانون إلى ممارسةٍ يوميةٍ لا تستوقف أحـدًا؛ عـندئذٍ تصبح إعادةُ بناء النظام مهمةً شاقة، لأنها لا تتطلب إصلاح المؤسسات فقط، بل ترميم الوعي العام وإحياء الشعور المشترك بالمسؤولية.
مواجـهة الفـوضى لا تكون بالشعارات، بل بإدارةٍ رشيدةٍ تُحسن تنظيم الموارد، وبقضاءٍ عادلٍ يرسِّخ الثقة، وبمؤسساتٍ تعمل وفق الكفاءة لا المجاملة، وبخطابٍ عامٍّ يُعيد الاعتبار لقيمة النظام بوصفه ضمانةً للحرية لا قيدًا عليها.
"فـ حيث يسود القانـون العادل، يشعر الإنسان بالأمـان، وحيث يشعر بالأمـان، يتراجع دافـع الجريـمة"
لـهذا كلِّه، إنَّ بناء الأوطـان لا يبدأ من مشروعات الإسفلت والحجر، بل من ترسيخ النظام الذي يحميها.
فـ النـظام هو السياج الذي يصون المجتمع، وإذا سقط هذا السياج، لم يعد مستغربًا أن تتسلل الفوضى، ومعها تتكاثر الجريمة كظلٍّ لا ينفصل عنها.
لـذلك، فـإن المعركة الحقيقية ليست بين مجتمعٍ وجريمة، بل بين نظامٍ وفوضى؛ فـإذا انتصر النظام، انحسرت الجريمة تلقائيًا؛ وإذا تُرك المجال للفوضى، فإنها ستقود المجتمعَ حتمًا إلى الهاوية؛ حـيث تبدأ الملامح بالاضطراب، وتنتهي بانهيار المعايير التي تحفظ للإنسان كرامته.
د. هـاني بن محمد القاسمي
عـدن: 17. أبريل . 2026م
.