ليـس الفـساد ظاهرةً طارئةً على الدول، ولا عيبًا خفيًا يمكن تجاهله أو التعايش معه؛ بل هو بنية موازية تنمو في الظل، وتغتذي على ضعف المؤسسات، وتزدهر كلما غابت الإرادة الحقيقية للمساءلة. ولـذلك، فـإن السؤال ليس: هـل يمـكن مكافـحة الفـساد؟ بـل: هـل نريـد فـعلًا مكافحـته؟
إن مكافـحة الفـساد ليست شعارًا يُرفع في الخطب، ولا بندًا يُدرج في البرامج السياسية، بل هي مشروع وطني شامل، يبدأ من أعلى هرم السلطة ولا ينتهي عند أصغر موظف في جهاز إداري.
فحـين تكـون الإرادة السياسية صادقة، تتحول القوانين من نصوص جامدة إلى أدوات حية، وتصبح المؤسسات الرقابية فاعلة لا شكلية، ويغدو القانون سيدًا لا تابعًا.
وفـي السياق اليمـني اليوم، تبدو معركة مكافحة الفساد أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لا لأنها قضية أخلاقية فحسب، بل لأنها شرط وجودي لبقاء الدولة نفسها.
فـ الـدولة التي تُستنزف مواردها عبر شبكات الفساد، لا يمكنها أن تبني اقتصادًا، ولا أن تحقق عدالة، ولا أن تحافظ على ثقة مواطنيها.
لـقد أفـرزت سنوات الصراع واقعًا معقدًا، تداخلت فيه المصالح السياسية مع الاقتصادية، وتشكلت مراكز قوى جديدة تستفيد من غياب الشفافية وضعف الرقابة؛ وفي مثل هذا المناخ، لا يـكفي الحديث عن الفساد بوصفه سلوكًا فرديًا، بل يجب التعامل معه بوصفه منظومةً متكاملة تحتاج إلى تفكيك واعٍ ومدروس.
إن الخـطوة الأولـى في هذا الطريق تتمثل في إعادة الاعتبار لمبدأ سيادة القانون، بحيث لا يكون هناك أحد فوق المساءلة، أيًا كان موقعه أو نفوذه؛ فـ القانـون الذي يُطبَّق بانتقائية يفقد هيبته، ويصبح جزءًا من المشكلة بدلًا من أن يكون أداة للحـل.
أمـا الخـطوة الثانية، فتتمثل في بناء مؤسسات رقابية مستقلة بحق، لا تخضع للتجاذبات السياسية، وتملك من الصلاحيات والموارد ما يمكنها من أداء دورها بكفاءة؛ فـ غـياب الرقـابة الفاعلة هو البيئة المثالية لنمو الفساد واستمراره.
ولا تـقل الشفافية أهـمية عن ذلك؛ إذ إن إتاحة المعلومات وتمكين المجتمع من الاطلاع على كيفية إدارة المال العام يُشكّلان أحد أهم أدوات الردع.
فحـين يعـلم المسؤول أن قراراته تحت نظر الناس، يتراجع هامش التجاوز، وتتعزز ثقافة المساءلة.
غـير أن مكافـحة الفـساد لا تكتمل دون إصلاح إداري حقيقي، يعيد هيكلة الجهاز الحكومي على أسس الكفاءة والنزاهة، ويقضي على مظاهر الترهل والازدواج الوظيفي. فالإدارة الضعيفة ليست مجرد خلل إداري، بل هي بوابة واسعة للفساد.
وفـي اليـمن، تبرز أهمية ربط مكافحة الفساد بمشروع أوسع لإعادة بناء الدولة، بحيث لا تكون إجراءات معزولة، بل جزءًا من رؤية متكاملة للإصلاح السياسي والاقتصادي.
فـ محـاربة الفـساد في ظل مؤسسات هشة تشبه محاولة ترميم جدار متصدع دون معالجة أساساته.
كـما أن إشـراك المجتمع، بمختلف فئاته، في هذه المعركة يمثل عنصرًا حاسمًا؛ فـ الإعـلام الحـر، والمجتمع المدني، والنخب الأكاديمية، جميعهم شركاء في كشف الفساد ومقاومته. إذ لا يمكن لأي سلطة، مهما بلغت قوتها، أن تنجح في هذه المهمة بمفردها.
ومـع ذلك؛ ينبغي الاعتراف بأن الطريق ليس سهلًا، وأن مقاومة الفساد ستصطدم حتمًا بمصالح متجذرة وشبكات نفوذ لن تتخلى عن امتيازاتها طوعًا.
لكـن التاريخ يعلمنا أن الإرادة السياسية الصلبة، المدعومة بوعي مجتمعي، قادرة على إحداث التحول، مهما كانت التحديات.
ونحـن نقـول: تـظل الحقيقة الأهـم أن الفـساد ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات.
وإذا أردنـا حـقًا أن نكافحه، فعلينا أن نختار بوضوح: إمـا دولة القانـون، أو دولة المـصالح؛ ومـا بينهما تضيع الأوطـان.
د. هـاني بن محمد القاسمي
عـدن: 13. أبريل. 2026م
.