أين يحيى سريع؟ اسمه غاب عن المسيرة، وتوارى في الجزيرة!
د. علي العسلي
كان يطلّ بالصوت والصورة، بإصبعه المرفوع ونبرته المحفوظة، ليعلن البيانات بالاسم والصفة، حتى غدا اسمه أشهر من الوقائع التي يعلنها، بل أشهر من الجماعة نفسها!
ولم يُوجَد من يُجيد تقليد أدائه سوى الفنان المبدع محمد الحاوري؛ ولا أملّ من ضحكته وطريقته الساخرة وهو يمدّها: «بيانوون صادروون»!
فهل يُتحفنا الحاوري بإطلالة جديدة، في ظل الغياب اللافت ليحيى سريع، صاحب هذه البيانات وصاحب الطلّة التي اعتادها الناس؟ أم أن زمن البيانات العاجلة قد دخل هو الآخر في غيبوبة؟
لقد جاء آخر ظهور مصوّر له في 13 أكتوبر الجاري، فلم يُغلق باب التساؤلات بل فتحه: وجه لا يرمش، ورأس لا يتحرك، كأنه خرج من مختبر لا من معسكر. ومنذ ذلك اليوم غاب الرجل عن الشاشة، وبقي السؤال معلّقًا: أين يحيى سريع؟
صفةٌ بلا اسم، واسمٌ بلا وجه
التصعيد منذ ذلك اليوم أشدّ من أي وقت مضى، والبيانات تتوالى عن مطارات وموانئ ومنشآت نفطية ومعسكرات. لكن شريط قناة المسيرة، لسان الجماعة وبيتها الإعلامي، صار يكتفي بعبارة «متحدث القوات المسلحة»، بلا اسم. بل إن بعض الأخبار لم تعد تذكر حتى المتحدث، فصارت «القوات المسلحة» نفسها هي التي تنفي وتكذّب. غاب الوجه، ثم الاسم، ثم الصفة، ولم يبقَ إلا المؤسسة تتكلم عن نفسها!
والمفارقة أن الشاشة نفسها تقدّم متحدث وزارة الصحة، الدكتور أنيس الأصبحي، باسمه وصفته، بعد أن ثُبّت على الشريط «متحدث القوات المسلحة» بلا اسم، ولا ذكر ليحيى سريع. متحدث الصحة مذكور، أما متحدث أكبر حرب حقيقية على اليمنيين، وأخرى تضخيمية على يافا وأم الرشراش إسنادًا ودعمًا لفك الحصار عن غزة، فلم يُذكر اسمه بتاتًا، وهو الأشهر بينهم جميعًا، ولم يحظَ إلا بسطر عابر في أسفل الشاشة هو «متحدث القوات المسلحة»، بلا اسم! فاسمُ الدكتور أنيس الأصبحي، الذي لا يسأل عنه أحد، حاضرٌ على الشاشة مع صفته، واسمُ يحيى سريع، الذي يسأل عنه الجميع، غائبٌ وبقيت صفته وحدها!
من المسيرة إلى الجزيرة
ولم يقف الأمر عند بيت الجماعة الإعلامي، قناة المسيرة. فقناة الجزيرة، التي لطالما نسبت البيانات إلى يحيى سريع بالاسم، صارت تكتفي في شريطها وعواجلها بعبارة «الناطق العسكري باسم أنصار الله الحوثيين» مع صورته، بلا اسم؛ أما مراسلها في صنعاء فيقول على الهواء، على نهج المسيرة، «الناطق العسكري باسم القوات المسلحة لحكومة صنعاء». والقناة المهنية لا تُسقط اسمًا اعتادت ذكره سنوات، إلا حين لا تكون متأكدة من أن صاحبه هو من تُنسب إليه البيانات. وبعض الوكالات وحدها ما زالت تكتب «قال يحيى سريع»، كمن يواصل مراسلة عنوانٍ لم يعد يسكنه أحد!
فإن كان حاضرًا، فلماذا لا يظهر ليضع حدًّا للجدل؟ وإن كان غائبًا لسبب آخر، فلماذا لا تقول الجماعة الحقيقة، ولا يقولها من يتداولون أخبارها؟ واستمرار صدور البيانات باسمه وصفته لا يثبت حضوره، كما أن النعي المزوَّر المتداول لا يثبت موته. الثابت الوحيد أن الجماعة تعرف، وتسكت.
إذا كان الناطق موضع شك، فكيف بما ينطق به؟
جماعة تُخفي عن جمهورها حال ناطقها، كيف تُصدَّق في أعداد صواريخها وإصابة أهدافها؟ والأشدّ سخرية أن الناطق الذي كان يظهر ليُثبت حضور الجماعة، صار هو نفسه لغزًا يحتاج إلى بيان يُثبت حضوره!
والحقيقة أن الحوثي لا يتعامل مع ناطقه بوصفه إنسانًا، بل علامة تجارية. والعلامة لا تموت، بل تُجمَّد حتى تنتهي صلاحيتها الإعلامية، ثم يُعلَن عن رحيلها «بأثر رجعي» إن لزم الأمر.
سريع في الغياب… بطيء في الظهور
جماعةٌ اعتادت الكذب كما تتنفس، ولله درُّ من قال: «إنهم يكذبون كما يتنفسون». والناس لا يطلبون رواية، بل كلمة تُنهي الشائعات: فليظهر الرجل بنفسه، وإن كان قد قُتل فلتُعلن الجماعة مقتله، بدل ترك الناس أسرى الاحتمالات. فهل نحن أمام ناطق حاضر، أم أمام منصب شاغر يتكلم؟
أم أن يحيى سريع صار سريعًا في الغياب، بطيئًا في الظهور، حتى أصبح غيابه هو البيان الوحيد الصادر عنه؟!