المنبر المحلي

زوة مريس … حين تصبح الأرض وجعا

زوة مريس … حين تصبح الأرض وجعا
قبل ساعتين
- منبر الأخبار _ مريس- نايف الهادي

لم يكن الجيل الحالي لقرى الزوة في مريس يعرف الحرب إلا كحكاية تروى على استحياء من قبل أسلافهم حتى جاء اليوم الذي صارت فيه الحكاية واقعا ثقيلا يطرق الأبواب بلا استئذان ويقيم بين الجدران كضيف ثقيل لا يرحل.


في الصباحات القديمة كانت الشمس تشرق على مزارع خضراء وأصوات الماء المتدفق من المضخات .كان الأطفال يركضون في الوديان والبيوت تحتضن أهلها بطمانينة لا تشترى. لكن كل ذلك تبدد، كأن الزمن انكسر فجأة.


حين وصلت الحرب، لم تصل كمعركة عابرة بل كعاصفة اقتلعت كل شيء. صارت الزوة مسرحا مفتوحا تداس فيه الأرض التي طالما أعطت بلا مقابل. البيوت التي كانت مأوى تحولت بعضها إلى ركام وبعضها الأخر إلى أطلال صامتة جدرانها شاهدة على لحظات خوف لا تنسى. المزارع التي كانت رزق الناس وكرامتهم أضحت أرضا جرداء فقدت روحها.


لم يعد هناك صوت للماء. المضخات التي كانت تنبض بالحياة سكنت وكأنها تعلن استسلامها. وفي كل يوم، كان ينتزع شيء منها، حتى الحياة نفسها تم انتزاعها هناك .


أما الناس فقد تفرقوا كما تتفرق الذكريات. عائلات حملت ما استطاعت من بقايا حياة ومضت في طرق لا تلتقي ولا تعرف نهايتها. وجوه متعبة شاحبه وعيون تحمل أسئلة بلا إجابات. متى تنتهي؟ ولماذا بدأ كل هذا أصلاً؟


في الزوة لم تعد الحرب خبرا ينقل بل صارت قدرا يعاش . هناك يدفع الأبرياء الثمن كل يوم ليس فقط بفقدان بيوتهم ومزارعهم بل بفقدان الشعور بالأمان ذلك الشيء البسيط الذي لا يدرك قيمته إلا من خسره.


ومع ذلك، وبين الركام لا تزال هناك بقايا حياة تقاوم في بعض القرى، امرأة تشعل نارا صغيرة لتطهو ما توفر طفل يبتسم رغم كل شيء، ورجل يقف أمام أنقاض بيته كأنه يحرس ذاكرة لن يسمح لها أن تموت.


الزوة ليست مجرد قرى في مريس… إنها حكاية منسيه تنكر لها الجميع ووجع مستمر وشهادة حية على أن الحرب مهما قيل عنها، لا تترك خلفها سوى الخسارة… والخسارة فقط.