ناجي البشري
فقيد تهامة والوطن.. فارس الساحل ونبراس المقاومة وصوت القبيلة والحكمة.
حين يرحل القادة والرجال الاستثنائيون، لا يتركون خلفهم فراغا عاديا، بل تترك غيبتهم جرحا غائرا وأثرا عميقا يشعر به الصغير والكبير، والرجال والنساء على حد سواء. وفي موكب الخالدين، ترجل الفارس البطل الشهيد الشيخ العميد يحيى عبدالله الوحيش البشري (رحمه الله) سليل أسرة الوحيش العريقة، وأحد رجالات قبيلة البشري الممتدة من جنوب بيت الفقيه إلى الخوخة.
لم يكن لقبه الميداني "الوحش" مجرد كنية عابرة، بل كان تجسيدا حيا لجسارته وبأسه الشديد في مواجهة التحديات ومقاومة ظلم الكهنوت الحوثي عدو الدين والإنسانية. إن الحديث عن العميد يحيى ليس مجرد سرد روتيني لسيرة ذاتية، بل هو وقفة إجلال وإكبار أمام مسيرة حافلة بالعطاء والتضحية والفداء.
تميز الشهيد بروح قيادية استثنائية، وكان نموذجا فذا للقائد الذي يتقدم صفوف جنوده في أحلك الظروف وأشدها خطورة. لم يعرف الخوف إلى قلبه طريقا، وكان وجوده في الميدان يبعث الطمأنينة والثقة في نفوس أفراده، ويزرع الذعر والرعب في قلوب أعدائه الذين يعرفون بأسه جيدا.
لقد كان شعور هذا القائد مناطا بمشاعر جنوده لا بمشاعر المتفرجين فكلما أوصاه جنوده بالانتباه لحرصهم عليه وحبهم الجارف له، مضى قدما في مقدمتهم ليكون القدوة، فالقيادة في عرفه "قدوة ومواجهة". ولم يقتصر دوره على إدارة المعارك فحسب، بل كان قائدا، ومعلما، ومربيا للأجيال العسكرية التي تتلمذت على يديه في اللواء التاسع عمالقة، غارسا فيهم قيم الولاء، والتضحية، والفداء من أجل الأرض والإنسان.
تؤكد مسيرة الشهيد الراحل، بدءا من دوره التأسيسي والميداني في اللواء التاسع عمالقة وصولاً إلى منصب قائد الفرقة الأولى مشاة بالمقاومة الوطنية، أنه كان رجلا عسكريا عابرا للمناطقية، وقائدا فذا حاز على ثقة القيادة العليا ليكون صمام أمان للساحل الغربي لقد عاش حياته مخلصا للمبادئ العسكرية، مؤمنا بالانضباط والجمهورية والولاء للقيادة، مدافعا عن مكتسبات الوطن، وقد تجلى ذلك في مواقفه الثابتة وانحيازه الدائم لصف الوطن وحرية أبنائه.
برز الشهيد العميد الشيخ الوحيش كعلامة فارقة وقائد استثنائي لم تحصره الرؤى الضيقة، بل كان تجسيدا حيا للفكر السلفي المعتدل والمنفتح، الذي يرى في خدمة الناس والبلاد عبادة، وفي التنمية الشاملة عبادة متعدية النفع للآخرين. فكان ينظر للمدرسة، والشارع، ومشاريع المياه، والمستوصف من الأمور التي يجب أن يحرص الإنسان على عمارتها، فلم يقتصر دوره على بناء المساجد والوعظ فحسب، بل امتدت يداه لتلامس تفاصيل الحياة اليومية والاجتماعية والتنموية والمدنية للمواطنين.
إن تتبع مسيرته الحافلة يكشف عن أبعاد شخصيته الفذة التي جمعت بين حزم القائد الشجاع وحكمة المصلح وعطاء ابن الأرض البار. لم تكن القيادة في مفهومه مكاتب مغلقة بل كانت نزولا مستمرا إلى الميدان وتلمسا لحاجات الناس، فكان "رجل المبادرات" الذي لا ينتظر الحلول بل يصنعها بديناميكية عالية وإصرار لا يعرف الكلل، مؤكدا أن العسكرية الحقيقية هي التي تبني وتعمر وتحمي في آن واحد.
من أبرز مآثره المشهودة في مجال البنية التحتية
وتحويل الأفكار والمطالب الخدمية إلى واقع ملموس مبادرته رصف شارع سوق الخوخة القديم وإشرافه على هذا المشروع الذي غير ملامح سوق المدينة، وخفف من معاناة المواطنين والتجار أثناء الأمطار، ونقل السوق إلى وضع حضاري أفضل.
إذا كان العميد يحيى "وحشا" في ميادين القتال دفاعا عن الحق ضد الكهنوت الحوثي، فقد كان في السلم غيثا نافعا وقلبا رحيما يتسع للجميع. وبفضل هيبته ومحبته الجارفة في قلوب الناس، تحول الشهيد إلى مرجعية اجتماعية يقصدها الجميع، ورائدا فذا في "إصلاح ذات البين".
في زمن النزاعات والخصومات، كان العميد يحيى يمثل صمام الأمان تمتد يده بالخير دائما للإصلاح بين الناس، يقضي الساعات والأيام في تقريب وجهات النظر، ونزع فتيل الفتن وحل المعضلات القبلية والمجتمعية المستعصية، حيث كان كلامه فصلا، وحكمه عدلا، ونيته خالصة لوجه الله ولخدمة السلم الأهلي. تميز بوعيه العميق بأهمية تماسك المجتمع التهامي والحفاظ على إرثه وقيمه القائمة على التسامح والتعايش، مع رفض ومقاومة كل أشكال التهميش والإقصاء.
ولم تقتصر حكمته على الجانب المدني والاجتماعي، بل كان في الجانب العسكري بمثابة نقطة التوازن الثابتة لرفاق السلاح والقضية. في أوقات التحديات والمنعطفات الصعبة، كان القادة والعسكريون يعودون إليه، مسترشدين برأيه السديد وقراءته الواعية للأحداث، كان صوته مسموعا للتوافقات التي تحفظ النسيج الواحد وتصون وحدة الصف الوطني والتهامي.
وبخلاف الكثير من التوجهات المتشددة التي حاولت عزل الشباب، كان الشهيد راعيا للشباب والرياضة، مؤمنا بطاقاتهم. لم يكتف بدعم الرياضة ماديا ومعنويا بل كان يحرص بنفسه على حضور فعالياتهم ومشاركتهم طموحاتهم، مما خلق جسرا متينا من المحبة بينه وبين الجيل الصاعد.
رحل القائد بعد عقود حافلة بالنضال، أرق فيها العدو وأذل الجبروت، ومضى شهيدا كما تمنى ونال ما كان يبحث عنه طوال حياته وينتظره لقى ربه صابرا محتسبا، ثابتا لم يغير ولم يتغير. طالته يد الغدر بعبوة ناسفة أو قنبلة موقوتة، جاءت من البحر أو من الأرض، فالنهاية واحدة والعدو واحد،والطريق للشهادة واحد.
كنت في مساء تلك الليلة الكابية، شاهدا على حزن الناس وتوافدهم إلى المستشفى الميداني، وبانت عظام الألم في أعماق القادة الأمنيين والعسكريين، وخيم الحزن على الجميع النخبة والعامة، رجالا ونساء، شيوخا وأطفالا. لقد بكوا الرجل الذي قاتل من أجل هذه المدينة وهذا التراب، دافع عن كرامة الآباء والأمهات والآمال، دافع عن وطنه كجغرافيا وكهوية وكعقيدة.
فهل يظن الغادرون أن موته سينهي المقاومة؟
واهم كل الوهم من يعتقد ذلك! بل إن موته سيكون وقودا لاستمرار المقاومة والأخذ بالثأر. لم يكن "الوحش" أول من يرتقي في هذا السبيل الشائك، بل سبقه الشهيد حسن دوبلة،والراحل العقيد مناجي شوعي حجري والشهيد هيثم بري، والراحل عبدالرحمن شوعي حجري، وقافلة طويلة من المناضلين الأحرار.
ستكون دماؤه ودماء رفاقه لعنة تطارد الطغاة الظالمين من المليشيات الحوثية، وقنديلا مضيئا ينير دروب المقاومة الوطنية والتهامية امتدادا إلى سواحل وصحاري الحديدة، كما أقسم رفاق السلاح والقادة الذين أكدوا أن دمه لن يضيع هدراً. ولتأكيد ذلك، بادرت الجهات الأمنية بدورها منذ اللحظات الأولى لوقوع الجريمة، وهناك لجنة تحقيق على أعلى مستوى ستظهر كل ما توصلت إليه للرأي العام، ولن تفلت الأيادي الغادرة من العقاب والقصاص العادل.
فقدت تهامة، واليمن عموما، برحيله منارة من منارات العطاء والشجاعة، ورجلا جمع بين حنكة القائد العسكري الملهم، وحكمة المصلح الاجتماعي القريب من هموم الناس.
يمثل رحيله خسارة فادحة لا تعوض، ولكن العزاء يكمن في تلك السيرة البيضاء والذكرى الحسنة التي استقرت في نفوس محبيه ،وعامة الناس . لقد ترجل الفارس عن صهوة جواده بعد أن أدى أمانته بكل شرف وبسالة.
تتلعثم الكلمات وتضيق العبارات حينما يكون المصاب بحجم الوطن.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء، وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان. وسيبقى إرثه ومناقبه نبراسا يضيء طريق الوفاء للأجيال القادمة.