فـي كل الأمم التي استطاعت أن تبني دولًا قوية ومجتمعات مستقرة، لم يكن التعليم مجرد خدمة عامة تقدمها الدولة لمواطنيها، بل كان مشروعًا سياديًا واستراتيجيًا يتصل اتصالًا مباشرًا بالأمن الوطني والاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.
فـ التعـليم ليس رفاهية يمكن تأجيلها، ولا قطاعًا يمكن التعامل معه باعتباره شأنًا إداريًا محدود الأثر، بل هو خط الدفاع الأول عن المجتمع، والضمانة الحقيقية لمستقبل الدولة وأجيالها القادمة.
ويُـعد الشباب الثروة الأ
غلى لأي وطن، فهم القوة المنتجة، والطاقة المحركة، والعقول التي ستتولى إدارة الدولة وصناعة مستقبلها.
غـير أن هذه الثروة قد تتحول إلى عبء ثقيل إذا تُركت فريسة للجهل والإهمال والفراغ؛ فـالشاب الذي لا يجد تعليمًا جادًا، ولا تأهيلًا حقيقيًا، ولا أفقًا واضحًا للمستقبل، يصبح أكثر عرضة للانجراف نحو مسارات خطرة تهدد نفسه ومجتمعه في آنٍ واحد.
إن الجـهل ليس مجرد نقص في المعرفة، بل بيئة خصبة لنمو التطرف والجريمة والانحراف.
ولـهذا فـإن الشباب غير المتعلم أو ضعيف التأهيل غالبًا ما يكون هدفًا سهلًا لعصابات الجريمة المنظمة، وشبكات التهريب، وجماعات العنف، وكل المشاريع المعادية للمجتمع والدولة.
فـهذه الجـهات تدرك أن استقطاب العقول الواعية مهمة صعبة، بينما يصبح استدراج الشباب
المحروم من التعليم والفرص أكثر سهولة وأقل تكلفة.
ومـن هـنا؛ فـإن العلاقة بين التعليم والأمن علاقة وثيقة لا يمكن الفصل بينهما؛ فكل مدرسة تُبنى هي في حقيقتها حصن من حصون الأمن الوطني، وكل معلم يُؤهل تأهيلًا جيدًا هو مساهم في حماية المجتمع، وكل طالب يحصل على تعليم نوعي هو مشروع مواطن صالح قادر على التمييز بين الحق والباطل، وبين البناء والهدم، وبين خدمة وطنه أو الإضرار به.
ولـعل من أخطر الأخطاء التي تقع فيها بعض الدول النظر إلى التعليم باعتباره قطاعًا خدميًا يمكن تأجيل إصلاحه أو تقليص الإنفاق عليه عند الأزمات.
فـالتجـارب الإنسانية أثبتت أن الدول التي أهملت التعليم دفعت لاحقًا أثمانًا باهظة في الأمن والاستقرار والتنمية، بينما نجحت الدول التي استثمرت في الإنسان وتعليمه في بناء مجتمعات أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات.
إن الحـاجة اليو
م لا تقتصر على توفير مقاعد دراسية أو مبانٍ مدرسية، بل تمتد إلى بناء منظومة تعليمية حديثة قادرة على صناعة العقل الناقد، وترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز الانتماء الوطني، وتنمية المهارات العلمية والمهنية التي يحتاجها سوق العمل المعاصر.
فـالتعـليم الحقيقي لا يملأ الذاكرة بالمعلومات فحسب، بل يبني الشخصية، ويُحصّن الفكر، ويعزز المسؤولية تجاه الوطن والمجتمع.
وفـي الحالة اليمنية على وجه الخصوص، فإن أي مشروع جاد لاستعادة الدولة وبناء مؤسساتها لا يمكن أن ينجح دون وضع التعليم في مقدمة الأولويات الوطنية.
فـ الحـروب والصراعات قد تدمر البنية التحتية، لكن أخطر ما تتركه هو تدمير الإنسان إذا لم يُحَط بالعناية والرعاية والتعليم.
ولـذلك فإن الاستثمار في المدارس والجامعات والمعاهد ومراكز التدريب ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل استثمار سيادي طويل الأمد في أمن الوطن واستقراره ومستقبله.
إن الـدول تُبنى بالعقول قبل أن تُبنى بالحجارة، وتُحمى بالوعي قبل أن تُحمى بالسلاح، وعليه، فإن الاهتمام بالتعليم والشباب ليس خيارًا سياسيًا بين خيارات متعددة، بل ضرورة وطنية تفرضها متطلبات البقاء والتقدم.
فـ حـين ينتصر ا
لتعليم ينتصر الوطن، وحين يُهمل التعليم تتسع مساحات الجهل والفوضى والجريمة.
ومـن هـنا؛ فـإن الرهان الحقيقي لأي دولة تسعى إلى النهوض يجب أن يكون على المدرسة والمعلم والطالب، لأنهم يشكلون معًا خط الدفاع الأول عن المجتمع، والأساس المتين لدولة قوية آمنة مستقرة، قادرة على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة آفاق المستقبل.
وعـلى كل ما تقدم،؛ فـإنني إذ أستعرض هذه الحقائق الموجزة، أتوجـه بدعـوة صريحة وواضحة إلى معالي وزير التربية التعليم، بأن يبادر فورًا إلى وضع خطة استراتيجية وطنية شاملة وجريئة للرقي بالتعليم في بلادنا، لا تقتصر على الترقيع أو التحسينات المؤقتة، بل تعيد بناء المنظومة التعليمية من جذورها.
هـذه الخطة يجب أن تُعد كمشروع وطني سيادي، لا مجرد برنامج وزاري عابر، وأن تُرفع إلى مجلس الوزراء لمناقشتها وإقرارها، ثم إلى رئاسة المجلس الرئاسي لتبنيها كقضية أمن قومي من الدرجة الأولى.
فـالتعـليم اليوم هو معركة وجود وطن، والرهـان عليه هو الرهان الحقيقي الوحيد على مستقبل مستقر وآمن لأجيالنا القادمة، وأي تأخير في هذا المسار هو خسارة لا تعوض للأمن والتنمية واستقرار الدولة.
د. هـاني بن محمد القاسمي
عـدن: 1. يونيو. 2026م
.