يخطئ من يقرأ السياسة الخارجية السعودية في الملف اليمني اليوم من منظور الانكفاء العسكري او التراجع الدبلوماسي فالواقع يشير الى عملية انفصال استراتيجي واعية واعادة هيكلة دقيقة للاولويات الجيوسياسية التي تقودها الرياض لاعادة تموضعها الاقليمي وان كانت في جانب منها تعكس استجابة لقيود الواقع اكثر من كونها تحولا اختياريا كاملا ولذا غادرت المملكة ادبيات عام 2015 التي ركزت على مبدأ الحسم العسكري المطلق واعادة صياغة المشهد اليمني بالكامل بالقوة واستبدلتها بعقيدة واقعية مفرطة تضع استقرار رؤية 2030 كاولوية استراتيجية عليا لا تقبل التاجيل او الابتزاز وهذا التحول البنيوي يعيد صياغة دور الرياض من راع ومشارك مباشر في الحرب الى فاعل اقليمي يسعى لتامين مجاله السيادي ومصالحه الاستثمارية واضعا جغرافيا جنوب الجزيرة العربية امام نمط جديد من ادارة الازمات يقوم على صيانة التوازنات القلقة ومنع الحروب الصفرية بدلا من الدفع نحو انتصار طرف على اخر.
تتحرك الدبلوماسية السعودية الحالية وفق حسابات اقتصادية وأمنية دقيقة ترى في الاستمرار العسكري بصيغته القديمة نزيفاً يستنزف الموارد ويعطل الطموح الاقتصادي غير المسبوق للمملكة. فالمشاريع العملاقة، والمدن الذكية، والواجهات السياحية الدولية الممتدة على طول ساحل البحر الأحمر، مثل مشروع وجهة البحر الأحمر الاستثمارية وتدشين مطارها الدولي، تتطلب بيئة إقليمية مستقرة بالكامل وخالية من أي مهددات عابرة للحدود. وبناءً على هذه الرؤية، لم يعد الهدف الاستراتيجي السعودي هو تمكين طرف يمني على حساب آخر لتغيير جغرافيا النفوذ؛ بل تدار الأزمة اليوم عبر استراتيجية محكمة تهدف إلى "نزع فتيل المبادرة العسكرية" لدى جميع القوى المتصارعة دون استثناء، بما في ذلك جماعة الحوثي نفسها والقوى المناهضة لها. وتفرض الرياض اليوم معادلة مانعة للتفوق، تقوم على حرمان أي فصيل من القدرة على تحقيق انتصار حاسم أو ابتلاع المشهد بالكامل، مما يضع الجميع في حالة تعادل سلبي مستدام يدفعهم مرغمين نحو طاولة التفاوض السياسي كخيار وحيد للبقاء.
لقد غيرت سنوات الحرب الممتدة في المشهد الراهن آليات التعامل مع أدوات الردع المحلية بشكل جذري. ففي عام 2019، وأمام الانكشاف الهيكلي للقوى التقليدية في معسكر الشرعية، رعت الرياض وصنعت قوى ميدانية حاسمة تمثلت في القوات الجنوبية وألوية العمالقة التي امتلكت عقيدة قتالية صلبة نجحت بالفعل في كسر زحوف الحوثيين الأشرس وتطهير مديريات غرب شبوة وحواف مأرب والضالع كما جرى في عمليات إعصار الجنوب وتحرير مديرية بيحان الميدانية. وقد قبلت السعودية بسقف المطالب والشروط الجيوسياسية والهوياتية التي رفعتها تلك القوات عندما تم إبرام ورعاية وثيقة اتفاق الرياض لعام 2019؛ لكونها مثلت في تلك اللحظة التاريخية "الرادع الكلاسيكي" الضروري لمنع الانهيار الكامل لخطوط الدفاع وتعديل الكفة المائلة ميدانياً.
غير أن المقاربة السعودية الراهنة لم تعد تسمح بتوظيف هذه القوة عسكرياً في هجمات مضادة واسعة النطاق؛ بل جرى احتوؤها وتأطيرها سياسياً واقتصاديًا ضمن هياكل هجينة ومقيدة عقب رعاية المملكة لإعلان نقل السلطة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي اليمني بقرار تاريخي صدر من العاصمة الرياض. زلم يكن هذا الإجراء موجهاً ضد الحلفاء أو رغبة في إضعافهم، بل كان جزءاً من رؤية الرياض الشاملة لتحييد أي حركة عسكرية أحادية قد تفجر الصراع مجدداً وتفسد مسار التهدئة الشاملة؛ إذ تؤمن القيادة السعودية أن الحل العسكري لم يعد ممكناً، وأن الحفاظ على الوضع القائم عبر اللجان المشتركة هو الخطوة الأولى نحو الاستقرار المستدام وتثبيت جهود مباحثات الوفد السعودي التي تبحث عن تسوية سياسية شاملة بالتنسيق مع كافة الأطراف الإقليمية والدولية.
وهذه الاستراتيجية القائمة على حظر التفوق العسكري تمتد لتشمل طريقة التعامل مع ترسانة جماعة الحوثي في مسار السلام الحالي. فالرياض لا تسعى لمواجهة كلاسيكية مفتوحة لنزع السلاح قد تفضي إلى جولة حرب إقليمية جديدة تهدد عمقها التنموي، بل تحاول كبح جماح الترسانة الحوثية وتأطير سلوك الجماعة عبر آليات "الاحتواء البراغماتي الخشن"، مستندة إلى مناخ التهدئة الإقليمية وجولات المفاوضات المباشرة التي تُوجت بإعلان المبعوث الأممي عن التزام الأطراف بالانخراط في جهود خارطة الطريق الأممية لإنهاء الأزمة، وذلك لإدماج الجماعة في المنظومة الاقتصادية والسياسية لليمن لتتحول إلى سلطة أمر واقع لديها مصالح حيوية تخشى خسارتها إذا ما قررت العودة إلى السلاح. ولكن هذه المقاربة تضع عملية السلام في سياق يثير قلق المخططين العسكريين في الغرب، لكونها تترك الجماعة محتفظة بقدراتها الصاروخية ومسيراتها دون آلية تفكيك فورية، مراهنة على أن الدمج السياسي والالتزامات الاقتصادية المتبادلة كفيلان بلجم اندفاعها العسكري وتحويل سلاحها الميليشياوي إلى سلاح خاضع لحوكمة الدولة تدريجياً.
المعضلة الأكثر عمقاً في هذا المشهد تتجاوز الحدود البرية لليمن وتضرب قلب الأمن البحري العالمي في مضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر. فتركيبة السلام التي تلغي خيار الحسم العسكري وتعتمد على تجميد الجبهات وهندسة التوازنات، تبقي الممرات المائية الحيوية تحت رحمة الاستقرار السياسي لقوة غير منضبطة تماماً بموجب القانون الدولي التقليدي، وهو ما تجسد بوضوح في تداعيات أزمة الهجمات البحرية الحوثية واستهداف السفن التجارية التي أثرت مباشرة على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد. فقد أثبتت التجربة عجز أدوات الردع الدولية والتحالفات البحرية الغربية عن فرض الاستقرار البحري الكامل نظراً لأن الحوثيين يعملون خارج الأطر الكلاسيكية للدول الوطنية. ومع انتقال السعودية إلى دور المهندس الوسيط وتحصنها خلف جدارها التنموي البارد، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام واقع جيوسياسي جديد، حيث تحولت الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة إلى خطوط تماس مباشرة تخضع للتقلبات السياسية وموازين القوى الإقليمية، مما يمنح الأطراف الداعمة للحوثيين أوراق ضغط استراتيجية هائلة في أي صراع نفوذ دولي مستقبلي.
فهندسة التوازن للسياسية السعودية لا تعني القبول الدائم بوضع الحوثيين كقوة مهددة، بل تعني تحويلهم من حركة متمردة عسكرياً إلى طرف سياسي مكبل بالتزامات الحكم وإدارة الموارد. فالرياض تدرك أن القوى اليمنية المناهضة للحوثيين، تمثل صمام أمان جيو-استراتيجي لمنع الجماعة من التمدد نحو مناطق النفط والغاز في الجنوب والشرق، ولذلك تحرص على بقاء هذه القوى قوية ومنظمة في ظل حوكمة الدعم المالي والودائع السعودية للبنك المركزي اليمني والحكومة الشرعية لمنع الانهيار الاقتصادي، ولكن ضمن حدود التوازن الدفاعي الذي يمنعها من الهجوم ويمنع الحوثي من الابتلاع. وهذا النمط من إدارة الصراع يسحب البساط من تحت أقدام الأطراف الدولية التي ترغب في استمرار استثمار الحرب اليمنية كأداة للضغط الإقليمي، ويحول الملف بأكمله إلى قضية يمنية داخلية خاضعة للرقابة اللوجستية والمالية السعودية.
في نهاية المطاف، لا يمكن تصنيف السياسة السعودية الحالية كتراجع عن الالتزامات، بل كإعادة صياغة بارعة وواقعية للمصالح الوطنية العليا؛ حيث انتقلت الرياض من استراتيجية "الحرب بالوكالة" التي ثبت استنزافها، إلى هندسة "السلام بالوكالة". إنها واقعية سياسية مشروعة من منظور الدول التي تسعى لحماية منجزاتها التنموية وصناعة مستقبلها الاقتصادي بشكل مستقل عن أزمات الجوار. ولكن في الوقت ذاته، تؤسس هذه المقاربة لبيئة إقليمية بالغة التعقيد والخطورة على المدى الطويل؛ فصيانة معادلة "لا غالب ولا مغلوب" وتفكيك المبادرات العسكرية للقوى المحلية كألوية العمالقة والقوات الجنوبية، مقابل محاولة ترويض السلاح الحوثي دبلوماسياً واقتصادياً، قد يضمن تدفق الاستثمارات وتأمين الحدود السعودية على المدى القصير، لكنه يترك أمن المنطقة بأكملها وأمن الملاحة الدولية معلقاً على فرضية تفتقر للضمانات التاريخية: وهي فرضية تفتقر لالتزام جماعة عقائدية راديكالية بقواعد الانضباط السياسي بمجرد شرعنة وجودها وتأمين مواردها المالية...