المنبر المحلي

خلل إداري واضح تكشفه وثيقة رسمية ويتمثل في تجاوز التسلسل المؤسسي الناظم للعلاقة بين الجهات الحكومية.

خلل إداري واضح تكشفه وثيقة رسمية ويتمثل في تجاوز التسلسل المؤسسي الناظم للعلاقة بين الجهات الحكومية.
قبل 54 دقيقة
- منبر الاخبار / حمدي محمد ـ خاص..

كشفت وثيقة رسمية صادرة عن فرع شركة النفط اليمنية في مأرب سلسلة من الاختلالات الإدارية والإجرائية المرتبطة بالإفراج عن شحنات كبيرة من مادة البنزين لصالح جهة تجارية تدعى "بروكس"، في خطوة تثير مخاوف بشأن سلامة الإجراءات المؤسسية التي يفترض أن تحكم إدارة قطاع حيوي يمس حياة ملايين المواطنين.


وتتضمن الوثيقة توجيهاً بالإفراج عن ثلاث ناقلات محملة بأكثر من 240 ألف لتر من البنزين كانت محتجزة في منفذ العبر، مع السماح لها بالمرور إلى وجهات محددة، وذلك عبر مخاطبة مباشرة موجهة إلى رئيس هيئة الأركان العامة وقائد العمليات المشتركة.


ويبرز في الوثيقة خلل إداري واضح يتمثل في تجاوز التسلسل المؤسسي الناظم للعلاقة بين الجهات الحكومية، إذ إن شركة النفط اليمنية وفرعها في مأرب يتبعان وزارة النفط والمعادن، بينما تعد هيئة الأركان العامة جهة عسكرية تتبع وزارة الدفاع، ما يجعل المخاطبة المباشرة بين فرع الشركة والقيادة العسكرية العليا خروجاً عن الأطر الإدارية المعتادة التي تقتضي أن تتم المراسلات والتوجيهات عبر القنوات الوزارية المختصة.


كما تعكس الوثيقة تداخلاً بين الاختصاصات المدنية والعسكرية في ملف تجاري يتعلق بنقل وتوزيع المشتقات النفطية، وهو ما يضعف مبدأ الفصل المؤسسي بين الجهات التنفيذية ويخلق مساحات واسعة لاتخاذ قرارات خارج المسارات الإدارية الطبيعية.


ومن أبرز ما تكشفه الوثيقة أن الكميات المفرج عنها تعود لشركة تحمل اسم "بروكس"، وهو اسم لا يظهر ضمن السجلات التجارية المتاحة والمعروفة في المحافظات الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن طبيعة الوضع القانوني للشركة والصفة التي تمارس بها نشاطها التجاري في قطاع حساس واستراتيجي.


وتزداد أهمية هذه الملاحظة في ظل وجود شركة تحمل اسماً مقارباً هو "PAX" تم تأسيسها في صنعاء عام 2021، وتدور حولها اتهامات وشبهات متداولة في الأوساط الإعلامية والسياسية بشأن ارتباطاتها ومجالات نشاطها، وهو ما يفرض ضرورة التحقق من هوية الشركات العاملة في قطاع الوقود والتأكد من أوضاعها القانونية وسجلاتها التجارية المعتمدة.


وتشير الوثيقة كذلك إلى منح تسهيلات استثنائية لشحنات تجارية خاصة في وقت كان فيه المواطنون يعانون من أزمات متكررة في الحصول على الوقود، الأمر الذي يسلط الضوء على إشكالية العدالة في إدارة الموارد النفطية وآليات توزيعها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بكميات كبيرة يفترض أن تخضع لرقابة دقيقة وإجراءات معلنة وواضحة.


وفي هذا السياق، يبرز تساؤل إضافي حول طبيعة الوقود المنقول عبر هذه القاطرات، وما إذا كان من الإنتاج المحلي القادم من منشأة صافر النفطية، أم من أنواع مشتقات أخرى يتم تداولها حديثاً في السوق تحت مسمى “السي فايف”، في ظل غياب أي مسارات رسمية واضحة ومعروفة لتنظيم توزيعه أو تحديد الجهة المخولة بالإشراف عليه.


كما يثور تساؤل لا يقل أهمية بشأن آلية تسويق هذه الكميات والعوائد المالية الناتجة عنها، وما إذا كانت تتم عبر القنوات الرسمية للدولة ووفق الأنظمة القانونية والمالية المعتمدة، أم أن هناك خللاً أو ثغرات في مسار البيع والتحصيل والتوريد، بما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول شفافية إدارة هذا القطاع الحيوي.


ويرى مراقبون أن القضية تتجاوز مجرد الإفراج عن ناقلات وقود، لتكشف عن خلل أوسع في منظومة الرقابة والإجراءات الإدارية، وعن حالة من التراخي في الالتزام بالمسارات المؤسسية التي وضعت لضمان الشفافية وحماية المال العام ومنع تضارب الاختصاصات بين الجهات الحكومية.


وتؤكد الوثيقة الحاجة إلى مراجعة شاملة للآليات التي يتم من خلالها منح التصاريح والإفراج عن شحنات المشتقات النفطية، وضمان التزام جميع الجهات بالاختصاصات القانونية المحددة لها، بما يحافظ على هيبة المؤسسات ويمنع تحويل الإجراءات الاستثنائية إلى ممارسات اعتيادية خارج إطار القانون والنظام.


وفي الوقت الذي تتزايد فيه المطالب بتعزيز الشفافية والحوكمة في إدارة قطاع النفط، تمثل هذه الوثيقة نموذجاً صارخاً لما يمكن أن ينتج عن تجاوز الإجراءات المؤسسية من اختلالات تفتح الباب أمام الشكوك وتضعف ثقة المواطنين في آليات إدارة الموارد العامة...