البدلة العسكرية لا تبني مشروعا

قبل ساعة


زكريا نمر
بقلم: زكريا نمر
ارشيف الكاتب

هناك فرق جوهري بين من ينجح في حمل السلاح، ومن ينجح في حمل الدولة. فالأول قد ينتصر في معركة، أما الثاني فيبني أمة. ولهذا فإن أحد أكبر الأوهام السياسية التي سادت في كثير من دول إفريقيا والعالم العربي هو الاعتقاد بأن من يجيد القتال يجيد الحكم، وأن من قاد حركة تحرير يمتلك بالضرورة رؤية لإدارة الاقتصاد والتعليم والقضاء والعلاقات الدولية.البدلة العسكرية ليست برنامجا سياسيا، وليست مشروعا اقتصاديا، وليست رؤية لبناء الإنسان. إنها رمز لمؤسسة وظيفتها حماية الوطن وسيادته. لكن عندما تتحول إلى مصدر الشرعية الوحيد، تتحول الدولة إلى ثكنة كبيرة، ويصبح منطق الأوامر بديلا عن الحوار، والولاء للأشخاص بديلا عن الولاء للدستور، والخوف بديلا عن الثقة.الكارثة التي تصنعها عسكرة السياسة أنها تستبدل الفكرة بالقوة. فعندما تعجز السلطة عن إقناع المواطنين ببرنامجها، تلجأ إلى أدوات السيطرة. وعندما تفشل في تحقيق التنمية، ترفع شعارات الأمن والمؤامرات والانتصارات العسكرية، وكأن الشعوب تعيش على الخطب، لا على التعليم والعمل والعدالة والاقتصاد المنتج.لقد أثبت التاريخ أن البندقية تستطيع إسقاط نظام، لكنها تعجز عن بناء دولة. فالدولة الحديثة لا تقوم على الانتصارات العسكرية، بل على كفاءة الإدارة، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، ومؤسسات قوية، وعدالة في توزيع الثروة، وتعليم ينتج المعرفة، واقتصاد يخلق الفرص. وهذه كلها لا تصنعها الرتب العسكرية، وإنما تصنعها العقول والخبرات والإرادة السياسية. والنتيجة الحتمية لعسكرة الحكم أن الأمن الذي ترفعه الأنظمة شعارا يتحول إلى أكثر الملفات هشاشة. فحين تغيب المشاركة السياسية، ويصادر الرأي الآخر، وتتركز السلطة والثروة في أيدي قلة، يصبح العنف نتيجة طبيعية، لأن المجتمع الذي يمنع من التعبير السلمي سيبحث في النهاية عن وسائل أخرى للتعبير عن غضبه.


المشكلة ليست في الجيش كمؤسسة وطنية، بل في تحويله إلى حزب حاكم، وإلى فاعل اقتصادي، وإلى مرجعية سياسية وتشريعية في الوقت نفسه. فعندما يحتكر السلاح والسلطة والمال، تفقد الدولة توازنها، وتتحول المؤسسات إلى واجهات شكلية لا تملك قرارها.و أن بعض الأنظمة تقيس قوة الدولة بعدد الجنرالات، وحجم الترسانة العسكرية، وكثرة الاستعراضات، بينما تعجز عن بناء مدرسة حديثة، أو جامعة تنتج المعرفة، أو مستشفى يحفظ كرامة الإنسان. إنها تستثمر في أدوات القوة أكثر مما تستثمر في مصادر القوة الحقيقية: الإنسان، والعلم، والمؤسسات.


لقد علمتنا تجارب كثيرة أن حركات التحرير ليست بالضرورة مشاريع لبناء الدولة. فالتحرير لحظة تاريخية، أما بناء الدولة فهو مشروع طويل يقوم على القانون، والمؤسسات، والمساءلة، والكفاءة. لكن كثيرا من الحركات بقيت أسيرة عقلية الثورة، فأدارت الدولة بعقلية المعسكر، وتعاملت مع المعارضة باعتبارها عدوا يجب القضاء عليه، لا شريكا في صناعة المستقبل.الدولة ليست غنيمة توزع على المنتصرين، وليست مكافأة للمقاتلين، ولا إرثا سياسيا يحتكره من حمل السلاح. إنها عقد اجتماعي بين المواطنين، وسلطة مقيدة بالقانون، ومؤسسات تخضع للمحاسبة. وكل سلطة ترى أن تاريخها العسكري يمنحها حقا أبديا في الحكم، إنما تعلن عجزها عن اكتساب شرعية الإنجاز.والحقيقة التي تحاول كثير من الأنظمة الهروب منها أن السلاح يحمي الدولة عندما تكون موجودة، لكنه لا يصنعها. أما المشروع الوطني، فلا يولد في الثكنات، بل في الجامعات، ومراكز البحث، والمصانع، والمحاكم، والمدارس، والبرلمانات الحرة. فالدول لا تبنى بالرتب، بل بالكفاءات، ولا تستقر بالخوف، بل بالعدالة.ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من يملك السلاح؟ بل: من يملك المشروع؟ لأن التاريخ لا يخلد من حكم بالبندقية، بل يخلد من أسس دولة يعيش فيها المواطن حرا، ويجد فيها التعليم، والعمل، والعدالة، والكرامة.


#زكريا_نمر