ما يحدث اليوم تجاه عدن يكشف مرة أخرى أن المشكلة الحقيقية ليست في قرار محافظ حضرموت أو موقف محافظ مأرب، بل في غياب الدولة القادرة على إدارة العلاقة بين المحافظات وتنظيم الحقوق والواجبات بينها.
صحيح أن عدن هي المتضرر الأكبر من وقف أو تقليص إمدادات المشتقات النفطية، وصحيح أن أبناءها من حقهم الغضب والاحتجاج على ما آلت إليه الأوضاع، لكن من المهم أن نتوقف أمام السؤال الأهم: لماذا وصلت الأمور إلى هذه المرحلة أصلاً؟
للأسف، ينشغل كثيرون بمهاجمة النتائج بينما يتجاهلون الأسباب. فبدلاً من توجيه النقاش نحو المحافظات التي اتخذت هذه القرارات، يجب أن يتجه إلى الجهة التي يفترض بها أن تدير الدولة وتحسم الخلافات وتحافظ على وحدة المصالح الوطنية.
أين السلطة المركزية التي تنظم العلاقة بين حضرموت وعدن؟ وأين الجهة التي تحدد ما هو حق المحافظة من ثرواتها وما هو حق الوطن ككل؟ وأين المؤسسات القادرة على فرض القانون وضمان توزيع الموارد بعدالة بين الجميع؟
من الطبيعي أن تطالب حضرموت بحقوقها، ومن الطبيعي أن تتمسك مأرب بمصالحها، كما أن من حق عدن أن تطالب بنصيبها العادل من الموارد والخدمات. فكل محافظة لديها خصوصيتها وتطلعاتها ومطالبها المشروعة، واحترام هذه الخصوصيات يجب أن يكون جزءاً من أي مشروع وطني عادل.
لكن المشكلة تبدأ عندما تغيب الدولة. فعندها تتحول كل محافظة إلى البحث عن مصالحها بمعزل عن الإطار الوطني الجامع، وتصبح القرارات الفردية بديلاً عن السياسات العامة، ويغيب التنسيق وتحضر الأزمات.
إن العلاقة السليمة بين المحافظات لا تقوم على الصراع أو تبادل الاتهامات، وإنما على وجود دولة قوية ومؤسسات فاعلة تحدد بوضوح نسبة المحافظة من مواردها ونسبة المركز من هذه الموارد، وتديرها وفق القانون والعدالة والمصلحة العامة.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: لماذا اتخذت حضرموت أو مأرب هذا القرار؟ بل: لماذا غابت الدولة إلى الحد الذي أصبحت فيه كل محافظة تتصرف منفردة؟ ولماذا لم تعد هناك سلطة قادرة على إدارة المصالح المشتركة بين أبناء الوطن الواحد؟
هذا هو جوهر الأزمة، وهذا هو السؤال الذي يجب أن يكون محور أي نقاش جاد حول ما تعانيه عدن اليوم.
احمد حميدان