أخطر جرائم الحرب ليست القتل بل صناعة جيل بلا تعليم

قبل ساعة


زكريا نمر
بقلم: زكريا نمر
ارشيف الكاتب

لم يكن فشل التعليم في الدول التي مزقتها الحروب نتيجة للرصاص وحده، بل كان أيضا نتيجة مباشرة لفشل النخب السياسية والفكرية في فهم معنى الدولة. فمنذ عقود، انشغلت النخب السياسية بالصراع على السلطة، وتقاسم المناصب، وإدارة التحالفات، بينما غاب السؤال الأكثر أهمية كيف نبني الإنسان؟ فالدولة لا تبدأ من القصر الرئاسي، ولا من الثكنة العسكرية، بل من المدرسة والجامعة ومراكز البحث العلمي.المؤسف أن كثيرا من النخب السياسية تتحدث عن بناء الدولة، لكنها تمارس سياسات تهدم أهم مقوماتها. فهي تنفق بسخاء على الأجهزة الأمنية، بينما تتعامل مع التعليم باعتباره بندا يمكن تأجيله أو تقليصه كلما اشتدت الأزمة المالية. وكأن بناء الإنسان أقل أهمية من شراء السلاح، أو كأن الجهل لا يشكل تهديدا للأمن القومي.


ولا تتحمل النخب السياسية وحدها مسؤولية هذا الإخفاق، بل تتحمل النخب الفكرية والثقافية أيضا جزءا كبيرا من المسؤولية. فقد انشغل كثير من المثقفين بالمعارك الأيديولوجية، والدفاع عن الانتماءات السياسية، والجدل النظري، أكثر من انشغالهم بإنتاج مشروع فكري يعيد الاعتبار للتعليم بوصفه أساس النهضة. وتحول بعضهم إلى مبررين للسلطة، أو أسرى للاستقطاب، فتراجع دور المثقف الذي كان يفترض أن يكون ضمير المجتمع والمدافع الأول عن حق الأطفال في المعرفة.فإن هذه النخب أنها أقنعت المجتمعات بأن الأزمة تكمن دائما في الخصم السياسي أو في المؤامرات الخارجية، بينما تجاهلت الأزمة الداخلية المتمثلة في انهيار التعليم، وضعف المؤسسات، وغياب الاستثمار في الإنسان. فالدول لا تنهار فقط بسبب الحروب، بل تنهار عندما تفقد القدرة على إنتاج أجيال متعلمة تمتلك المعرفة والكفاءة والوعي.ولذلك فإن الحديث عن التنمية، والديمقراطية، والإصلاح السياسي، سيظل مجرد شعارات إذا لم يسبقه مشروع وطني يعيد بناء الإنسان. فلا توجد دولة حديثة قامت على النفط وحده، أو على القوة العسكرية وحدها، أو على الخطابات الوطنية وحدها. جميع الدول التي حققت نهضتها بدأت بإصلاح المدرسة، وتأهيل المعلم، وتطوير الجامعة، وربط المعرفة بالإنتاج. أما النخب التي تؤجل هذه المهمة، فهي لا تؤجل إصلاح التعليم فقط، بل تؤجل مستقبل الوطن بأكمله.


إن أكبر إخفاق للنخب السياسية والفكرية ليس أنها فشلت في إنهاء الحروب، بل أنها فشلت في حماية الإنسان من آثارها. لقد تركت ملايين الأطفال خارج المدارس، ثم واصلت الحديث عن بناء الدولة. لكن أي دولة يمكن أن تبنى فوق جيل حرم من التعليم؟ وأي مستقبل يمكن أن ينتظر وطنا أهمل أهم ثرواته، وهي عقول أبنائه؟ إن التاريخ قد يغفر الهزائم العسكرية، لكنه نادرا ما يغفر للنخب التي فرطت في بناء الإنسان، لأن خسارة الأرض يمكن تعويضها، أما خسارة الأجيال فلا تعوض إلا بعد عقود، إن أمكن تعويضها أصلا.قد يختلف الناس حول نتائج الحروب، وقد يعلن كل طرف أنه حقق النصر، لكن هناك حقيقة لا تقبل الجدل: الدولة التي يخرج ملايين أطفالها من المدارس لا تستطيع أن تدعي الانتصار. فالانتصار الحقيقي لا يقاس بعدد المدن التي تمت السيطرة عليها، ولا بعدد الاتفاقيات التي وقعت، ولا بطول بقاء النخب في السلطة، بل بقدرة الدولة على حماية حق أطفالها في التعليم، لأن الطفل المتعلم هو الضمانة الوحيدة لاستمرار الدولة بعد انتهاء الحرب.لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تنهار عندما تخسر معركة عسكرية، وإنما عندما تخسر قدرتها على إنتاج الإنسان. فالمدرسة ليست مؤسسة خدمية، بل مصنع الدولة الحقيقي، والمعلم ليس موظفا عاديا، بل هو المهندس الأول لمستقبل الأمة. وكل يوم يبقى فيه طفل خارج المدرسة هو خسارة لا تعوض، وكل عام دراسي يضيع هو جزء من عمر وطن كامل.وإذا كانت الحروب تفرض واقعا قاسيا، فإن ما لا يغتفر هو أن تتحول المأساة إلى سياسة، وأن يصبح ضياع التعليم أمرا عاديا، وأن تتعامل النخب السياسية مع ملايين الأطفال المحرومين من الدراسة بوصفهم مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية. فهؤلاء ليسوا أرقاما، بل مستقبل الدولة الذي يتآكل بصمت.لن يسأل التاريخ كم وزيرا تعاقب على وزارة التعليم، ولا كم اتفاق سلام وقع، ولا كم مرة تغيرت الحكومات. سيسأل سؤالا واحدا: لماذا تركتم جيلا كاملا يكبر بلا تعليم، بينما كنتم تتنازعون على السلطة والثروة؟ ذلك السؤال سيبقى وصمة في جبين كل نخبة اعتقدت أن الدولة يمكن أن تبنى بالسلاح أكثر مما تبنى بالكتاب، وبالمحاصصة أكثر مما تبنى بالكفاءة، وبالخطابات أكثر مما تبنى بالمدرسة.


إن الأوطان التي تهمل أطفالها تحكم على نفسها بالشيخوخة المبكرة، والدول التي تستبدل الاستثمار في التعليم بالاستثمار في الصراع، لا تؤجل التنمية فقط، بل تؤجل وجودها ذاته. فلا النفط يحمي دولة ينهار تعليمها، ولا الذهب يعوض جيلا ضائعا، ولا الجيوش تستطيع الدفاع عن وطن فقد عقوله قبل أن يفقد حدوده.لهذا، فإن المعركة الأكثر إلحاحا ليست معركة على القصر الرئاسي، ولا على حقائب الوزارات، بل معركة من أجل إنقاذ المدرسة، وإعادة الاعتبار للمعلم، وبناء مشروع وطني يضع الإنسان قبل السلطة. لأن الدولة التي تربح الحرب وتخسر أطفالها لم تربح شيئا، أما الدولة التي تستثمر في أطفالها، فإنها تنتصر حتى بعد أقسى الهزائم.ولهذا فإن أعظم خيانة يمكن أن ترتكبها النخب ليست إطالة أمد الحرب فحسب، بل أن تترك جيلا كاملا بلا علم، ثم تطلب منه بعد سنوات أن يبني وطنا لم تمنحه يوما فرصة أن يتعلم كيف يبنيه.


#زكريا_نمر