أثار مجرد ظهور صورة كتاب يحمل عنوان "عدن إقليم اقتصادي" حالة من القلق والرفض لدى البعض، وكأن الفكرة مؤامرة جديدة، مع أنها في الحقيقة ليست وليدة اليوم، ولم يبتكرها صاحب الكتاب. فقد طُرحت منذ سنوات من قبل شخصيات وطنية وأكاديمية، وتبنتها مكونات سياسية ومدنية واجتماعية انطلاقا من قراءة لتاريخ عدن ووظيفتها الاقتصادية.
لكن اللافت أن معظم التعليقات لم تناقش المشروع من زاوية اقتصادية أو تنموية، بل انطلقت من هواجس مناطقية، وكأن عدن غنيمة يجب احتكارها، أو مدينة يمكن إخضاعها لإرادة طرف دون غيره. وهذه العقلية هي ذاتها التي كانت، ولا تزال، أحد أسباب الصراع على عدن، وهي التي ساهمت في تراجع دورها التاريخي وفقدان كثير من مكانتها الاقتصادية والتجارية.
عدن لم تكن يوما مدينة مغلقة أو ملكا لجماعة أو قبيلة أو منطقة. إنها مدينة ضاربة في أعماق التاريخ، عُرفت منذ آلاف السنين كميناء عالمي، وارتبط اسمها بطريق التجارة البحرية بين الشرق والغرب، وتعاقبت عليها حضارات ودول، لكنها احتفظت دائما بوظيفتها الاقتصادية وانفتاحها على الجميع.
لقد كانت عدن مدينة تبني اقتصادها على التجارة والموانئ والخدمات، لا على العصبيات الضيقة. وكانت تستقبل الناس من مختلف المناطق والأصول، فينصهرون في مجتمع مدني واحد، دون أن يسأل أحدهم الآخر: من أي منطقة أنت؟
ومن المؤسف أن يتحول النقاش اليوم من كيفية استعادة عدن لدورها الاقتصادي إلى صراع حول من يملكها ومن يحتكر القرار فيها. فالمدن العظيمة لا تُدار بعقلية الغلبة، وإنما برؤية تنموية تجعلها رافعة للاقتصاد الوطني ومركزا للاستثمار والتجارة.
إن مشروع عدن إقليم اقتصادي ليس مشروعا موجها ضد أحد، بل مشروع لإعادة المدينة إلى وظيفتها الطبيعية التي صنعها التاريخ والجغرافيا. وهو يحتاج إلى إدارة كفؤة، ومؤسسات قوية، وسيادة القانون، وبيئة آمنة جاذبة للاستثمار، لا إلى المزيد من الاستقطاب المناطقي.
إن الخوف من هذا المشروع لا يبرره إلا من اعتاد النظر إلى عدن باعتبارها مكسبا سياسيا، بينما ينظر إليها أبناؤها والمخلصون لها باعتبارها مدينة تستحق أن تستعيد دورها الريادي، وأن تكون مركزا اقتصاديا يخدم جميع اليمنيين، ويعيد إليها ما فقدته من مكانة إقليمية ودولية.
عدن أكبر من أن تُختزل في صراع النفوذ، وأكبر من أن تُحتكر من أي طرف. فهي مدينة التاريخ، ومدينة الاقتصاد، ومدينة التعايش، وستظل كذلك متى ما انتصرت إرادة البناء على عقلية الهيمنة.
احمد حميدان