في خضم المشهد اليمني المعقد، يبرز سؤال محوري يحمل بين طياته الكثير من التناقضات السياسية والعسكرية: لماذا غدرت السعودية بالجنوب واستهدفت المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المسلحة الجنوبية؟
سؤال لا يبحث عن إجابة سطحية، بل عن قراءة واعية للخلفيات والدوافع التي تقف خلف هذا الموقف المثير للجدل.
أولاً: الخوف من جنوب مُتحضّر وقوي
شعب الجنوب العربي ليس مجرد مكون جغرافي، بل هو كيان إنساني وحضاري يحمل في جيناته التطور والتعليم والانضباط الأخلاقي. هذا الشعب الذي يحلم باستعادة دولته الطبيعية (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل 1990) قادر، بفضل وعيه وتنظيمه، على بناء دولة عصرية تنافس أقوى اقتصادات المنطقة.
وهنا تكمن المفارقة: السعودية لا تريد جاراً جنوبياً قوياً ومؤثراً، ليس خوفاً من العداء، بل خوفاً من الاستقلالية والنمذجة السياسية التي قد تخلق توازنات جديدة تُربك معادلات الهيمنة الخليجية. وهذا يصطدم مباشرة بـ "الوصية التاريخية" التي يُرددها البيت السعودي، والتي تهدف إلى بقاء الجنوب ضعيفاً ومجزّأً تحت تأثير الشمال.
ثانياً: المجلس الانتقالي.. الكيان الجامع الذي أرعب الرياض
المجلس الانتقالي الجنوبي لم يعد مجرد فصيل سياسي عابر، بل تحوّل إلى مظلة جامعة لكل أطياف الجنوب، نجحت في لمّ شتات الكلمة وتوحيد الرؤى حول هدف استراتيجي واضح: استعادة الدولة الجنوبية وعاصمتها عدن على حدود ما قبل الوحدة.
هذا المشروع لم يعد حبراً على ورق، بل أصبح واقعاً سياسياً وعسكرياً يهدد مشاريع التهميش والإقصاء. ومن هنا جاء القلق السعودي، لأن أي كيان جامع في الجنوب يعني نهاية الأحلام التوسعية الشمالية، ونهاية دور الرياض كوصيٍّ على القرار اليمني.
ثالثاً: معركة حضرموت والمهرة.. البطولة التي كشفت المخاوف
لم تكن معركة تحرير محافظتي حضرموت والمهرة مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت محطة فارقة أثبتت للعالم أن القوات المسلحة الجنوبية تمتلك جيشاً منظماً، شجاعاً، قادراً على تحقيق الانتصارات حتى حين تتفوق عليها قوات الاحتلال الشمالي بالعدة والعتاد.
هذا النصر السريع والحاسم وضع الجنوب على بعد خطوة واحدة من تحقيق حلمه التاريخي، لكنه في الوقت ذاته أفزع الرياض، التي أدركت أن هذا الجيش الجنوبي لو حصل على أسلحة متطورة، أو حتى لو استمر بتطوير قدراته، فسيكون قادراً على رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط لا تتسق مع رؤية السعودية الاستراتيجية.
الخلاصة النهائية
ما حدث وما يحدث ليس "غدراً" عابراً، بل هو صراع مصالح جيوسياسية واضح، ترفض فيه الرياض قيام دولة جنوبية مستقلة وقوية، وتصر فيه على إبقاء الجنوب في دائرة الضعف والتبعية.
هذه هي الحقيقة التي قد لا يريدها بعضهم، لكنها تبقى ماثلة أمام كل عين تبصر، وأمام كل قلب ينبض بحب الجنوب واستقلاله.
وختاماً، يبقى الجنوبيون على عهدهم، ماضين في دربهم نحو الحرية، مهما تعاظمت التحديات، لأن الشعب الواعي المتعلم صاحب المبادئ لا يمكن أن يُقهَر، والأيام كفيلة بإثبات أن إرادة الجنوب أقوى من كل الحسابات الدولية.
الصحفي صالح حقروص
2026/7/18م