مذياع أبي وفلسطين وأبورجب

قبل 11 ساعة


د. علي غالب حسن الصبيحي
بقلم: د. علي غالب حسن الصبيحي
ارشيف الكاتب

مثلُ غيره من أبناء فلسطين السليبة، الذين تشردوا وأُكرهوا على الخروج، وطأت أول ما وطأت قدماه مدينة عدن- حسب حديثه معي- عام 1973م ، وعمري أنا كاتب هذه السطور لم يتجاوز عامًا واحدًا، وها أنا ذا أصيرُ أخا وزميلا له في جامعة عدن، هو رئيسا لقسم التاريخ في كلية الآداب / جامعة عدن ،وأنا في قسم اللغة العربية.


كنتُ أسمع ذكره عبر ذبذبات مذياع أبي- الله يرحمه- في الفقرة الخاصة المتاحة لإخواننا الفلسطينيين من إذاعة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في عدن ( دولة الجنوب سابقا) التي كانت منضوية تحت إطار مايسمى ( جبهة الصمود والتصدي) التي تضمها إلى جانب سوريا وليبيا ومنظمة التحرير الفلسطينية - إن لم تخني الذاكرة-


كان أبي مولعا بتتبع أخبار العالم، وكان المذياع ( الراديو) الياباني لايفارقه حتى في نومه، وقد أوتي أبي نصيبا من الفصحى ومن طلاقة اللسان على الرغم أنه لم يدخل مدرسة ولم يتعلم.

كنتُ أنتظرُ التاسعةَ مساء بتوقيت عدن وهذا هو بداية الوقت المتاح لأخواننا الفلسطينيين في إذاعة عدن، فيبدأ المذيع الفلسطيني بزمجرته المجلجلة بقوله: (صوت فلسطين، صوت الثورة الفلسطينية)

ويبدأ بقول الله تعالى:( إنا فتحنا لك فتحًا مبينا ليغفر الله لك ماتقدم من ذنبك وماتأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا)


صدفته في يوم عيد الأضحى في مطعم الشيباني في جولة البط في خور مكسر

وصافحته وصافحني بحرارة، إنه الأستاذ الدكتور محمد أبو رجب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في عدن من أيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية

وهو حاليا رئيسا لقسم التاريخ في كلية الآداب في جامعة عدن.


نعم كنت أسمع ذكره في نشرة الأخبار الخاصة بإذاعة فلسطين في منتصف الثمانينيات وأنا في أواخر المدرسة الموحدة وعلى أعتاب الدخول إلى المرحلة الثانوية، أيام ذروة النضال الثوري الفلسطيني وزمن العمل الفدائي زمن معين بسيسو الذي مازلت أتذكر شيئا من قصيدته:


أنا لاأخاف السلاسل

فاربطوني بالسلاسل

لن تطفئوا مهما نفختمم

في الدجى هذي المشاعل


الشعب أوقدها وسار بها

قوافل في قوافل.


وهو زمن فدوى طوقان ،شاعرة فلسطين وبنت نابلس


زمن درويش وزمن :

ياكفر قاسم لن ننام

وفيك مقبرة وليل.


وزمن الحماس يوم كنا نردد:


يافلسطين التي كِدنا لما كابدته

من أسى ننسى أسانا.


أما اليوم فقد عمَّ الأسى واتسع الجرح، وبدل أن كنا نبكي فلسطين صرنا نبكي جُل بلاد العرب .

انصهر الدكتور أبو رجب في عدن وصارت عدن نظيرة روحه، ومنبع هواه، ومع هذا الهوى لم يبارح قلبه وطنه فلسطين يحملها راحلا ومقيما.


لاتنعقد ندوة أو يعقد ملتقى في عدن إلا وهو حاضر.

مضى عليه أكثر من أربعين عاما في عدن، ولا أدري هل قد مُنح الجنسية اليمنية أم لا، وهو في كل الأحوال يستحقها.


أبو رجب مثل غيره من أقرانه الفلسطينبين والعرب عاشوا هنا وتملكت أرواحهم عدن، ومنهم من رحل وقُبر هنا، ومنهم أستاذنا وزميلنا طه أبو الفول ( أبو علي) - الله يرحمه- وهو فلسطيني أيضا.


تحية من عدن لفلسطين الحبيبة وكل عام وأنتم بخير وعافية.


د. علي غالب حسن الصبيحي


10 ذو الحجة1447هجرية / مايو 2026م

عدن.