هل تبتلع الهضبة جمر تهامة إلى الأبد؟!!.. أم تثور الصحوة التهامية.؟.

الثلاثاء - 02 يونيو 2026 - 01:01 ص


عبدالمجيد زبح
بقلم: عبدالمجيد زبح
ارشيف الكاتب


✍️🏻: عبدالمجيد زبح


حين نتأمل مشهد اللقاءات والابتسامات المتبادلة بين نخب الهضبة الزيدية، ندرك يقيناً أن السياسة لديهم ليست مجرد خلافات أيديولوجية أو حزبية، بل هي عقد اجتماعي تاريخي

غير مكتوب، يتلخص في قاعدة واحدة نختلف فيما بيننا على الحكم، لكننا نتفق أننا نحن مَن يحكم.. وتعلمنا نواميس التاريخ أن الجغرافيا ليست مجرد تضاريس، بل هي هوية وجينات، وحين تلتفت حولك في هذا الوطن المكلوم، ترى الأمم والقبائل تذود عن حياضها بالأسنان والأظافر، ترفض أن يدوس كرامتها وافد أو أن يتحكم في مصيرها نازح غريب، إلا في تهامة.. تلك الأرض الممتدة كالبحر، الغنية كالسنابل، يتبدى أمامنا مشهد سياسي يثير الذهول، ويدعو للتأمل العميق في بنية الوعي القيادي الذي أصابه خدر التبعية وبكاء الأرض الحزينة التي تنتظر زئير سنابلها الغاضبة ليعيد موازين الكرامة والسيادة المسلوبة.


تأملوا جيدآ في تفاصيل الصورة ولن تروا فيها مجرد لقطة عابرة في محفل عزاء، بل سترون الشيفرة الوراثية لتحالفات الهضبة الزيدية التاريخية، وانظروا إلى تلك الالتفاتة الحميمية والهمس المتبادل بين طارق صالح الذي فر من صنعاء في أواخر عام 2017 خائفاً يترقب، ووجد في رمال تهامة الدافئة ملاذاً ومأوى بعد أن ضاقت به جغرافيا صنعاء، فوصل تائهاً يعلوه الخوف والوجل حتى استقر فبدأ يذكي الخلافات بين القيادات التهامية

وبين رمز المدرسة التقليدية للهضبة الجنرال العجوز علي محسن الأحمر في العلن، يسوقون لكم معارك طاحنة، وعداوات تاريخية، وانقسامات لا تلتقي، ويوهمونكم بخصومة دم يشيب لها الولدان وبأنهم خطان متوازيان لا يلتقيان؛ ولكن عداوتهم المعلنة ما هي إلا من أجل السيطرة على أرضكم، وتصالحهم الحقيقي هو ليحكموكم مجتمعين؛ خلف الكواليس وفي الغرفة ذاتها، وعلى المقاعد الوثيرة نفسها، يتدانى من يعادي الآخر ظاهرياً ليتبادلا الابتسامات والخطط وتلتقي الأطراف كلها عند نقطة واحدة، لأن هناك قانوناً غير مكتوب في جينات الهضبة الزيدية يقرر بأنهم قد يختلفون على كرسي الحكم في صنعاء، لكنهم يتفقون يقيناً على أن تبقى أرض تهامة هي المسرح، وإنسان تهامة هو الجندي التابع والساحة الخلفية لنفوذهم وثرواتهم، لتصبح العداوة بينهم مجرد تمثيلية لإدارة الحشود، والصلح بينهم حقيقة لإدارة العبيد وتكونون أنتم مجرد جنود تابعين فقط في نهاية المطاف تخدمون مشاريعهم العائلية والجهوية.


المفارقة الصادمة والدرس الفاضح الذي لم يستوعبه بعض قادة تهامة بعد، ودعونا هنا ننعش الذاكرة القريبة التي يبدو أن البعض يتعمد نسيانها؛ ففي بداية عام 2018، عندما ذهب وفد من المنتفعين والمحسوبين على التهاميين ممن ارتضوا لأنفسهم دور السماسرة والمسوقين إلى الرياض للقاء علي محسن الأحمر باحثين عن دور أو دعم، جاءهم الرد الصادم الذي يختزل كل النظرة الفوقية والاستعلاء الزيدي والمناطقي، حيث التفت إليهم الجنرال العجوز وقال ببرود ( اذهبوا إلى الولد طارق! ) ويا للمهانة السياسية، فهكذا وبجرة قلم تم التعامل مع رجالات تهامة وكأنهم تركة عائلية تورث من العم إلى ابن الأخ، وكأن قضية تهامة وأرضها وإنسانها مجرد عهدة عسكرية يتم تسليمها من يد إلى يد داخل الأسرة السنحانية ذاتها، ومع ذلك لم تتعلموا ولم يستوعب أولئك المنتفعون الدرس، بل عادوا ليرتدوا بزاتهم العسكرية والمدنية، ويتحولوا إلى مسوقين ومروجين للمشروع العائلي الجديد، يذكون الخلافات البينية بين القيادات التهامية ويمزقون النسيج التهامي ليخلو الجو للوافد المستبد، فمتى تدركون يا قادة تهامة ويا رجالها أن خلافات نخب الهضبة هي خلافات أسياد على من يقود لا ينقاد، بينما تحولت خلافاتكم للأسف إلى خلافات أتباع على التبعية وأيهما يكون أولاً في تقديم صك الولاء والطاعة بنجاح أكبر؟ هم يختلفون على من يحكمكم، وأنتم تختلفون على تبعيتهم وجودة مقعد المرافق، فمتى تتخلون عن (عقلية المرافق) ومتى يصبح لديكم شيء من الاعتزاز بالنفس والأنفة العربية لتكونوا أنتم القادة الحاكمين لأرضكم والملوك في دياركم؟


المقارنة الجيوسياسية اليوم تضع النخب التهامية في زاوية حرة تفرض التساؤل: متى تتعلمون من الحضارم وكيف نظروا إلى خصوصية أرضهم وثرواتهم، فرفعوا شعاراً مناطقياً صلباً، ورسموا حدوداً نفسية وسياسية وجغرافية لم يجرؤ أي نافذ من الهضبة أو خارجها على تجاوزها، فتحكم حضرموت اليوم نخبها، وقرارها نابع من واديها وساحلها؟ ومتى تتعلمون من الجنوبيين كيف خاضوا معارك وجودية شرسة، وطهروا أرضهم شبراً بشبر، وانتزعوا قرارهم بأيديهم فلم يعد هناك زيدي واحد يتنفس برئة السلطة أو النفوذ في مناطقهم، وفرضوا أنفسهم كأنداد على الطاولة ؟ وانظروا حتى إلى أبناء تعز؛ فرغم أنهم يغرقون في الخلافات الحزبية من الإخوان إلى الناصريين إلى المستقلين، ورغم كل التمزق الداخلي، إلا أن عصبية الأرض الثقافية والمناطقية لديهم جعلتهم يرفضون رفضاً قاطعاً ومطلقاً حاكمية الزيدية السياسية أو الخضوع لرموز المركزالمقدس، فمتى تتخلون أنتم عن التبعية العمياء؟ ولماذا تبقى تهامة وحدها بكل ثقلها البشري، وموقعها الاستراتيجي، وثروتها وسواحلها وموانئها هي الساحة التي يستعرض فيها النازحون والهاربون قوتهم، ويقبل القائد التهامي الذي يمتلك الأرض والحاضنة الشعبية والمقاتلين الأشاوس في الميدان أن يكون مجرد مرافق أو قائد لواء يتلقى الأوامر من ضابط هارب استولى على مقدرات بلاده؟ أين ذهبت عصبية الأرض؟ وأين غارت حمية الديار ومتى يصبح لديكم شيء من الاعتزاز بالنفس ومتى تقولون نحن شركاء لا أتباع؟


الوجع الحقيقي ليس في قوة القادم، بل في استكانة صاحب الأرض، نبحث في كل أسواق السياسة، وفي كل صيدليات العالم، عن دواء يُدعى الاعتزاز بالذات والأنفة المناطقية لكي نشتريه ونحقنه في عروقكم ونصرفه لكم، لعل الوجوه تخجل، ولعل الدماء الحارة تتحرك في العروق التي أصابها الصقيع، فمتى تخجلون وتعبّرون وتنفضون عن كاهلكم ثوب التبعية المخزية؟


متى تدركون أن المقاتل التهامي الذي يواجه الموت في المتارس يستحق أن يقوده قائد تهامي يمتلك قرار السلم والحرب، لا مجرد واجهة محلية لتمرير مشاريع الآخرين؟ ومتى نكتب فخراً واعتزازاً بكم بصفتكم قادة وحكاماً لأرضكم، تقولون وتفرضون أنكم شركاء لا أتباع، وأنداداً لا أدوات؟


لقد جفت وتعبت أقلامنا ونحن نصور لكم هذا الواقع المرير والموجع وليتكم تعلمون كم يبدو المشهد مهيناً لكم أمام الآخرين حين نرى ابن الأرض الطيبة، صاحب السهل والبحر يقف موقف التابع الذليل خلف من لا أرض له (يؤدي التحية ويقفز عليها) فمتى نكسر هذه الأقلام وهي تصور لكم الواقع على حقيقته دون تزييف وليتكم تعلمون؟


الشراكة لا تمنح للضعفاء، والسيادة لا تعطى للأتباع، فإما أن تكونوا شركاء وأنداداً تفرضون شروطكم بقوة السلاح والجغرافيا والعصبية التهامية، أو أن التاريخ سيتجاوزكم، ولن يذكركم إلا كأرقام هامشية في مذكرات "الولد طارق" أو جنرالات الهضبة، فانفضوا عنكم ثوب التبعية، واكسروا هذا الخنوع، وارفعوا رؤوسكم فما عاد في الوقت متسع لمزيد من الانحناء، واعلموا أنه متى ما أدركتم أنكم أصحاب الحق، ستتكسر كل الرهانات الوافدة، وتعود تهامة لأهلها حرة، أبية، وقائدة لا تنقاد لوافدٍ أو غريب..