الخلاف سنة بشرية قديمة، وُلدت مع أول اختلاف في الرأي، وستبقى ما بقي الناس مختلفين في عقولهم ومصالحهم وأمزجتهم وتصوراتهم للحياة. لم يكن الخلاف يوماً عيباً، بل كان في كثير من الأحيان مصدر تطور وتغيير وإثراء للأفكار. المشكلة لم تكن في الخلاف نفسه، وإنما في الطريقة التي يُدار بها الخلاف.
كان الناس قديماً يختلفون ثم يتصافحون، يتجادلون ثم يجلسون على مائدة واحدة، يتنازعون في الرأي ويحفظون للخصم مكانته وكرامته. أما اليوم فقد أصبح كثيرون يعتقدون أن الانتصار في الخصومة لا يتحقق بإثبات صحة الموقف، بل بتحطيم الشخص المقابل وتشويه صورته والنبش في حياته الخاصة والبحث عن أي وسيلة للنيل منه.
حين يفقد الخلاف شرفه يتحول إلى معركة قذرة لا رابح فيها.
فالإنسان الذي يعجز عن هزيمة الفكرة يحاول اغتيال صاحبها. والذي لا يملك حجة يلجأ إلى الشتيمة. والذي يخسر النقاش يحاول كسب الجمهور عبر الإساءة والتشهير. وكأن الحقيقة أصبحت أقل أهمية من القدرة على الإيذاء.
المؤسف أن الشخصنة لا تكشف عيوب المستهدف بقدر ما تكشف أزمة صاحبها. فحين يترك المرء القضية وينشغل بالأشخاص، فإنه يعلن بصورة غير مباشرة إفلاسه الفكري وعجزه عن مواجهة الحجة بالحجة.
ولذلك لم يكن الحكماء يقيسون أخلاق الرجال في أوقات الاتفاق، بل في لحظات الخصومة. لأن الإنسان عندما يغضب يسقط عنه كثير من الأقنعة، ويظهر معدنه الحقيقي. هناك من يختلف معك فيزداد احتراماً لك، وهناك من يختلف معك فيتحول إلى ماكينة للشتائم والافتراءات وكأن الخلاف منحه ترخيصاً أخلاقياً للإساءة.
والأخطر من ذلك أن بعض الخصومات لا تُدار بدافع الدفاع عن فكرة أو مبدأ، بل بدافع الأذى المجرد. مجرد رغبة في الإضرار بالآخر، أو الانتقام منه، أو تحطيمه معنوياً أمام الناس. وهنا لا يعود الأمر خلافاً في الرأي، بل يتحول إلى مرض في السلوك.
وفي مثل هذه الحالات يخطئ كثيرون حين يعتقدون أن الرد على الإساءة يجب أن يكون بإساءة أكبر. فالتجربة تثبت أن النزول إلى المستنقع لا ينظف أحداً، بل يوسخ الجميع.
الحل ليس في مجاراة المسيء، ولا في تبادل الضربات اللفظية، ولا في فتح دفاتر الماضي، بل في التمسك بشرف الخصومة. أن ترد على الكذب بالحقيقة، وعلى الافتراء بالوقائع، وعلى الشتيمة بالتجاهل أحياناً، وبالقانون أحياناً أخرى عندما تتحول الإساءة إلى اعتداء على الحقوق والسمعة.
ليس ضعفاً أن تترفع عن المهاترات، بل قوة. وليس هزيمة أن ترفض الانجرار إلى الوحل، بل انتصار للنفس قبل أن يكون انتصاراً على الخصم.
فالأشجار المثمرة تُرمى بالحجارة، لكنها لا ترد بالحجارة، وإنما بالثمر.
ولهذا يبقى شرف الخصومة واحداً من أنبل الصفات الإنسانية. أن تختلف دون أن تظلم، وأن تنتقد دون أن تهين، وأن تعارض دون أن تفجر في الخصومة.
أما الذين يجعلون الإساءة منهجاً والشخصنة وسيلة، فقد يحققون ضجيجاً مؤقتاً، لكنهم يخسرون أهم معركة على الإطلاق: معركة احترام الناس واحترام أنفسهم.
فالخلاف سنة من سنن الحياة، أما شرف الخصومة فهو اختيار لا يقدر عليه إلا أصحاب النفوس الكبيرة.
علي سيقلي
الجمعة الموافق 12 يونيو 2026م