ضرب المعاشيق

قبل ساعة


عمر الحار
بقلم: عمر الحار
ارشيف الكاتب

عمر الحار


يظل الاستهلاك الجائر للصواريخ النوعية باهظة الثمن في ترسانة مليشيا الحوثي مثارًا لتساؤلات تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتلامس أبعادًا مالية واستراتيجية وإقليمية تستحق التوقف أمامها طويلًا.

فمع تزايد استخدام المليشيا للصواريخ الباليستية والموجّهة، التي تُقدَّر كلفة بعضها بملايين الدولارات للصاروخ الواحد، يبرز سؤال جوهري: هل تمتلك هذه الجماعة من القدرات المالية والمخزون العسكري ما يسمح لها بإطلاق ثمانية صواريخ دفعة واحدة باتجاه عدن والقصر الرئاسي في المعاشيق، فضلًا عن إطلاق صواريخ أخرى باتجاه مدينة رسول الله "المدينة المنورة"؟ أم أن وراء هذا الإنفاق العسكري المكثف مصادر إمداد وتمويل تتجاوز إمكاناتها الذاتية، وفي مقدمتها الدعم الإيراني المحتمل؟

إن المسألة لا تتعلق بمجرد عدد الصواريخ التي تُطلق، بل بحجم ما تمثله من كلفة مالية وعسكرية، وبالجدوى العملياتية المتحققة من استخدامها. فحين تُستهلك أسلحة عالية الكلفة في هجمات لا تحقق، وفق المعطيات المتاحة، نتائج تتناسب مع حجم الإنفاق عليها، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة الحسابات التي تحكم هذا الاستخدام، وعن مدى ارتباطه بأهداف عسكرية مباشرة أو برسائل سياسية تتجاوز ميدان المواجهة.

ومع ذلك، فإن من الصعب اختزال المشهد في افتراض أن المليشيا تفتقر إلى الخبرة في اختيار السلاح المناسب لكل معركة؛ فهي راكمت خبرات قتالية وقدرات في إدارة المواجهات لا يمكن تجاهلها. ومن هنا تتسع دائرة التساؤلات: هل يعكس هذا النمط من الاستخدام تقديرات عسكرية خاصة بالمليشيا، أم أن ثمة حسابات إقليمية أوسع تتداخل مع مسار الحرب، وتدفع نحو تصعيد تتجاوز غاياته المعلنة حدود المواجهة مع الشرعية اليمنية؟

إن إثارة هذه الاحتمالات لا تعني الجزم بوجود أطراف خفية تدير المشهد، بقدر ما تفرض ضرورة فحص خيوط الصراع، وتتبع مصادر التسليح والتمويل، وتحليل الأهداف السياسية والعسكرية الكامنة وراء هذا التصعيد. فالحروب لا تُقرأ دائمًا من خلال الصواريخ التي تنطلق وحدها، بل أيضًا من خلال الجهات التي تموّلها، والرسائل التي تحملها، والنتائج التي يُراد لها أن تتحقق.

ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحّة إلى قراءة استراتيجية أعمق من جانب المملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من قدرات سياسية وأمنية وعلاقات دولية واسعة، لتفكيك تعقيدات المشهد، والتحقق من مسارات الإمداد وشبكات الدعم، واستشراف الأهداف التي قد تتوارى خلف التصعيد الحوثي. فالمعركة لا تتصل بمساندة الشرعية اليمنية واستعادة مؤسسات الدولة فحسب، بل تمتد إلى حماية الأمن القومي السعودي، وصون أمن الملاحة البحرية، والحيلولة دون تحول اليمن إلى ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية لا تنتهي.

فحين تصبح الصواريخ الباهظة وقودًا لتصعيد متكرر، دون مردود عسكري يتناسب مع كلفتها، فإن السؤال الأهم لا يعود متعلقًا بعدد ما أُطلق منها فحسب، بل بمن يقف وراء استمرار تدفقها، وبالأهداف التي يراد تحقيقها من وراء هذا الاستنزاف.