اليمن أمام معركة استعادة الدولة .. لا شرعية للسلاح ولا مستقبل لوطن تحكمه الانقسامات

قبل ساعة


غالب منصور
بقلم: غالب منصور
ارشيف الكاتب

بقلم/ غالب منصور

عضو اللجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام


لم يعد مقبولا أن يظل اليمن رهينة حرب مفتوحة وانقلاب مسلح وصراعات نفوذ عبثية بينما تتآكل مؤسسات الدولة وينهار الاقتصاد وتتسع معاناة المواطنين فمنذ أزمة عام 2011م، مرورا بسقوط صنعاء في قبضة مليشيات الحوثي الإرهابية في 21 سبتمبر 2014م، يدفع اليمنيون ثمن إخفاقات سياسية متراكمة وانقسامات مدمرة ومشاريع لا ترى في الدولة إلا غنيمة وفي السلطة أداة للهيمنة .

إن معركة اليمن اليوم لم تعد مجرد صراع على السلطة بل معركة مصيرية بين مشروع الدولة الجمهورية ومشروع الانقلاب بين سيادة القانون وسلطة السلاح وبين وطن يتسع لجميع أبنائه ومشروع يسعى إلى إخضاع المجتمع لإرادة جماعة واحدة .

تتحمل مليشيات الحوثي الإرهابية المسؤولية المباشرة عن الانقلاب على مؤسسات الدولة وتقويض المسار السياسي وفرض سلطة الأمر الواقع بقوة السلاح ولم يكن اجتياح صنعاء مجرد تغيير في موازين السلطة بل اعتداء على جوهر الدولة الجمهورية ومبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون .

إن أي حديث عن سلام مستدام سيظل مجرد وهم ما لم ينته الانقلاب، وتستعد مؤسسات الدولة ويعالج ملف السلاح خارج إطارها الوطني والقانوني فالتسويات التي تكافئ فرض الأمر الواقع لا تصنع سلاما بل تمنح الانقلاب فرصة لإعادة إنتاج نفسه وتؤجل انفجار الأزمة إلى مرحلة أخرى .

لكن مواجهة الانقلاب لا تعني إعفاء معسكر الشرعية من مسؤولياته ولا منح القوى المناهضة للحوثيين صكا مفتوحا لتبرير الإخفاقات فالحقيقة التي ينبغي أن تقال بوضوح هي أن استعادة الدولة لا يمكن أن تتحقق بقيادة منقسمة وقرارات متضاربة وتشكيلات عسكرية وأمنية متعددة الولاءات والمرجعيات، إن الاعتراف الدولي بالشرعية ليس بديلا عن الشرعية الفاعلة على الأرض والبيانات السياسية لا تعوض غياب القرار والمناصب لا تمنح أصحابها حصانة من المساءلة .

وعلى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة والقوى السياسية والعسكرية أن يدركوا أن استمرار إدارة الخلافات بالترحيل والتسويات المؤقتة لم يعد مقبولا المطلوب توحيد القرار السياسي والعسكري والأمني وتفعيل مؤسسات الدولة ومكافحة الفساد ومحاسبة المقصرين ووضع برنامج وطني واضح لاستعادة الجمهورية، فلا يمكن هزيمة مشروع الانقلاب بعقلية الانقسام ولا بناء دولة بأدوات تكرس الفوضى ذاتها التي أضعفتها .

إن تعز والساحل الغربي والمناطق المحيطة بباب المندب تمثل جبهة وطنية واستراتيجية تتجاوز حدود المواجهة المحلية بالنظر إلى أهميتها في حماية المدنيين وصون السيادة اليمنية وتأمين الممرات الحيوية للملاحة الدولية .

وأي تعامل مع هذه الجبهات بمنطق ردود الأفعال أو الحسابات الضيقة يعرض المصالح الوطنية لمخاطر جسيمة، فالمطلوب تنسيق عسكري مؤسسي وقيادة مسؤولة وحماية السكان وطرق الإمداد ومنع استغلال الممرات الاستراتيجية لتهديد الأمن الإقليمي والدولي .

لكن الانتصارات الميدانية مهما بلغت أهميتها، لن تكتمل ما لم تتحول إلى أمن مستقر ومؤسسات مدنية فاعلة وخدمات تحمي كرامة المواطنين .

وفي الجنوب، لا يجوز التعامل مع القضية الجنوبية بمنطق الإنكار أو التأجيل أو احتكار تمثيل أبناء الجنوب فقد تراكمت مظالم واختلالات في الشراكة والتنمية والتمثيل وأصبح تجاهلها عاملا إضافيا لتعميق أزمة الثقة وإطالة أمد الصراع إن المعالجة الجادة تقتضي حوارا سياسيا مسؤولا يضمن الحقوق والتمثيل العادل والمشاركة في القرار والموارد، بعيدا عن الإقصاء والإكراه وفرض الوصاية .

أما عدن، العاصمة المؤقتة ومركز المؤسسات الحكومية فلا يليق بها أن تبقى رهينة انقطاع الكهرباء والمياه وتدهور الخدمات وتعدد مراكز القرار ومن غير المقبول أن تستمر معاناة المواطنين فيما تتبادل الجهات المسؤولة التبريرات .

عدن ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا يجوز أن يدفع أبناؤها ثمن العجز الإداري والصراعات السياسية إنها مدينة تستحق دولة فاعلة ومؤسسات تحترم القانون وإدارة مسؤولة تضع احتياجات المواطنين فوق المصالح الضيقة .

إن تدهور العملة وارتفاع الأسعار وتعثر الرواتب وانقطاع الخدمات وتراجع فرص العمل ليست مجرد مؤشرات اقتصادية عابرة بل شواهد على أزمة إدارة وحكم تتطلب قرارات عاجلة ومسؤولية واضحة .

ولا يجوز اتخاذ الحرب ذريعة دائمة لتعليق واجبات الحكومة أو إعفاء المسؤولين من المحاسبة فالأزمات قد تفسر صعوبة المهمة، لكنها لا تبرر استمرار العجز ولا تمنح أحدا حق العبث بالمال العام أو إدارة الإيرادات خارج الرقابة والمساءلة .

المطلوب خطة اقتصادية واضحة وانتظام صرف الرواتب وفق الموارد المتاحة، وتوحيد إدارة الإيرادات وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وتوجيه الإنفاق العام نحو أولويات المواطنين .

فالدولة التي تعجز عن حماية لقمة عيش مواطنيها وتوفير الحد الأدنى من الخدمات تفقد ثقة الناس مهما امتلكت من اعترافات دولية أو بيانات سياسية .

وفي هذه المرحلة المفصلية تبرز أهمية استعادة الدور الوطني للمؤتمر الشعبي العام بوصفه أحد المكونات السياسية الرئيسية في تاريخ اليمن الحديث غير أن استعادة هذا الدور لن تتحقق بصراعات المواقع أو احتكار التمثيل أو تكريس الانقسامات داخل الحزب .

إن المطلوب هو العودة إلى النظام الداخلي والميثاق الوطني والمؤسسات التنظيمية وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الشخصية وتعزيز دور المؤتمر الشعبي العام في الدفاع عن النظام الجمهوري والتعددية السياسية والإسهام في بناء جبهة وطنية قادرة على استعادة الدولة .

فالمؤتمر الشعبي العام أكبر من أن يختزل في أشخاص وأهم من أن يتحول إلى ساحة صراع على النفوذ والمناصب واستعادة مكانته تبدأ باحترام مؤسساته وقواعده التنظيمية وإنهاء الإقصاء وتوحيد صفوفه على أساس الشراكة والمسؤولية الوطنية .

نحن مع السلام الذي ينهي الحرب ويحفظ الدماء ويصون السيادة ولسنا مع تسويات هشة تكافئ السلاح وتكرس السلطات الموازية وتمنح الانقلاب شرعية لم يحصل عليها من الشعب .

إن السلام الحقيقي لا يقوم على تقاسم النفوذ بين القوى المسلحة بل على استعادة مؤسسات الدولة وتوحيد القرار العسكري والأمني وضمان الحقوق ومعالجة القضية الجنوبية وإعادة بناء الاقتصاد ووضع آليات واضحة لتنفيذ أي اتفاق ومحاسبة من يخرقه .

أما الاتفاقات التي تؤجل أسباب الصراع بدلا من معالجتها فلن تكون سوى هدنة مؤقتة تفتح الباب أمام جولة جديدة من الحرب، إن اليمن يقف أمام لحظة لا تحتمل المزيد من المراوغة السياسية أو الهروب من المسؤولية وعلى مجلس القيادة الرئاسي أن ينتقل من إدارة التوازنات إلى توحيد القرار وعلى الحكومة أن تنتقل من الوعود إلى تحسين الخدمات وحماية الاقتصاد وعلى القوى السياسية أن تتجاوز صراعات النفوذ وعلى التشكيلات العسكرية والأمنية أن تلتزم بمرجعية وطنية وقانونية موحدة .

كما أن المجتمع الدولي مطالب بدعم سلام عادل يحترم سيادة اليمن ولا يكافئ الانقلاب أو يكرس الانقسام بل يساعد على استعادة الدولة ومؤسساتها .

إن الرسالة التي يجب أن تصل إلى الجميع واضحة لا مستقبل لليمن في ظل سلطة السلاح، ولا استقرار مع تعدد مراكز القرار، ولا سلام دائم دون معالجة جذور الأزمة واستعادة مؤسسات الجمهورية .

لقد آن الأوان لوضع حد لسياسة إدارة الأزمة والانتقال إلى مشروع وطني جاد لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وبناء مؤسسات تحمي المواطنين وتصون السيادة وتضمن المواطنة المتساوية فاليمن ليس ملكا لجماعة، ولا غنيمة لقوة سياسية ولا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات إنه وطن لجميع أبنائه ولن يستعيد عافيته إلا بدولة جمهورية قوية وقانون نافذ وشراكة عادلة وإرادة سياسية تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار .

لا شرعية للسلاح فوق الدولة ولا سلام مع استمرار الانقلاب ولا مستقبل لليمن دون استعادة الجمهورية .