حرب اليمن حربٌ تُدار.. و سلامٌ مؤجَّل

قبل ساعة


عمر الحار
بقلم: عمر الحار
ارشيف الكاتب


عمر الحار


ربما تؤسس الحرب اليمنية، الممتدة منذ أكثر من أحد عشر عامًا، لنمط استثنائي من الحروب الحديثة؛ حروب لا تُدار بالضرورة وفق مقتضيات الحسم العسكري، ولا تنتهي بالضرورة حين تستنفد أطرافها أسباب القتال، بل قد تتحول إلى معادلات مفتوحة، تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، وتتشابك المصالح إلى الحد الذي يصبح معه استمرار الصراع جزءًا من معادلة إدارته، لا مجرد نتيجة لتعذّر إنهائه.

ومن يتتبع مسارات الحرب اليمنية منذ انطلاقتها، يجد نفسه أمام أسئلة تتجاوز ظاهر المواجهة العسكرية إلى جوهرها السياسي: لماذا تتبدل خرائط الاشتباك دون أن تتبدل النتيجة النهائية؟ ولماذا تتسع هوامش المناورة كلما ضاقت فرص السلام؟ وكيف تتحول الانتصارات الميدانية، في بعض المنعطفات، إلى مقدمات لجولات جديدة من الاستنزاف، بدلًا من أن تكون جسورًا نحو إنهاء الحرب واستعادة الدولة؟

لقد بدت الحرب، في محطات عديدة، وكأنها تتحرك خارج منطق الحسم الذي يفترض أن يحكم الصراعات المسلحة. تتقدم الجبهات وتتراجع، وتتغير موازين القوة، وتتبدل الأولويات والتحالفات، فيما يدفع اليمنيون أثمانًا متراكمة من دمائهم وأمنهم ومعيشتهم ومستقبل أجيالهم. وهكذا، لم تعد المأساة محصورة في ضراوة المعارك، بل امتدت إلى ما يشبه الاعتياد على استمرارها، وكأن الزمن نفسه أصبح أحد أسلحة الحرب، وأحد أثمانها الأكثر فداحة.

ولعل أخطر ما في هذا المشهد أن الحرب، حين تطول، لا تعود مجرد مواجهة بين أطراف متحاربة؛ إنها تصبح بيئة تتكاثر داخلها المصالح، وتتعقد فيها الحسابات، ويغدو السلام اختبارًا حقيقيًا لإرادة القوى التي تمتلك مفاتيح التأثير في مسارات الصراع. غير أن القول بوجود إدارة دولية محكمة للحرب، أو اتفاق ضمني على إطالتها، يظل فرضية سياسية قائمة تحتاج إلى قرائن وأدلة؛ أما المؤكد، فهو أن تعدد المصالح وتضارب الاستراتيجيات قد أسهما في إطالة أمد الأزمة وتعقيد فرص الخروج منها.

وفي خضم هذه المعادلة، تبرز العلاقة بين الحكومة الشرعية والمملكة العربية السعودية بوصفها أحد المفاتيح المهمة لفهم التحولات العسكرية والسياسية، التي تفرض أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة: بالوقوف الصلب على خيار استعادة زمام المبادرة وفرض تسوية سياسية قابلة للحياة، أم أن البلاد مقبلة على دورة جديدة من المواجهات التي تعيد إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة؟

وما يرافق المشهد اليمني من تحولات ميدانية وحملات إلكترونية وتدافع في الروايات السياسية والإعلامية خاصة في تعز، يستدعي قراءة متأنية لا تخلط بين الوقائع الميدانية والدعاية المصاحبة لها. فالحرب الحديثة لم تعد تُخاض بالسلاح وحده؛ إذ باتت المنصات الرقمية ميدانًا للتأثير في الرأي العام، وتوجيه التصورات، ورفع المعنويات أو إضعافها، وصناعة الانطباعات التي قد تسبق الوقائع أو تتجاوزها. ومع ذلك، لا تكفي التحركات الإعلامية وحدها للجزم بوجود خطة متكاملة لإعادة الحرب إلى مربعها الأول، ما لم تسندها مؤشرات ميدانية وسياسية واضحة.

والمفارقة أن اليمن، كلما اقترب من نافذة أمل، وجد نفسه أمام امتحان جديد. فالتقدم العسكري، مهما بلغت أهميته، لا يكتسب قيمة بمجرد ما يحققه في الميدان، وإنما بما يفتحه من آفاق لإنهاء الحرب، وتثبيت مؤسسات الدولة، وصون كرامة المواطنين، وإعادة بناء ما دمرته سنوات الصراع. كما أن السلام لا يصبح انتصارًا لمجرد توقف المدافع، ما لم يضع حدًا لأسباب الحرب، ويؤسس لشراكة وطنية عادلة، ويمنع إعادة إنتاج المأساة بأسماء وواجهات جديدة.

إن اليمنيين لا يحتاجون إلى حرب تتغير خرائطها فيما تبقى معاناتهم ثابتة، ولا إلى انتصارات مؤقتة تستنزفها جولات لاحقة، بل يحتاجون إلى مسار واضح يستعيد للدولة حضورها، وللسياسة دورها، وللإنسان اليمني حقه في الحياة والأمان والمستقبل.

فالحرب، مهما تعددت حسابات صانعيها، ليست قدرًا سياسيًا أبديًا، والسلام ليس تنازلًا عن الحق، بل قد يكون الطريق الأكثر صعوبة وشجاعة لاستعادته. وبين هذين الخيارين، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه الجميع: من يملك قرار إنهاء الحرب، ومن يملك مصلحة استمرارها، ومن يدفع الثمن؟

فالحربُ، في نهاية الأمر، لا تُنسب إلى إرادةٍ واحدة، والسلامُ لا تصنعه الأمنياتُ وحدها، لكنَّ اليمنَ، ينزف منذ أعوام، و ما زال ينتظرُ مَن يجعلُ نهايةَ الحربِ قرارًا، لا مجرّدَ احتمال.