حين يصمد المواطن في الميدان بإمكاناته المحدودة، بينما يغيب أصحاب المناصب عن أرضهم وأهلهم، يصبح السؤال عن المسؤولية واجبا لا يجوز تأجيله، وتتحول الألقاب من مصدر للوجاهة إلى مصدر للذلة تستوجب المساءلة!.
في تعز، تكتب اليوم فصول من الصمود بمداد الألم، ويصوغ المواطن البسيط ملحمة البقاء من عرقه ودموعه وإمكاناته الذاتية. هناك، حيث البيوت والقرى ليست مجرد بقع على الخريطة، بل ذاكرة الناس وأعمارهم وحصاد الآباء ووصايا الأمهات، يقف أبناء تعز في مواجهة غزو بربري، متمسكين بحقهم في الحياة والأرض والكرامة، فيما تبدو المسافة شاسعة بين الذين يدافعون عن ترابهم بأجسادهم، والذين يفترض أنهم يمثلونهم ويتحدثون باسمهم من وراء الحدود..
إنها مفارقة موجعة، بل سؤال أخلاقي وسياسي لا يجوز أن يظل حبيس المجاملات: كيف يقاتل المواطن دفاعا عن بيته وقريته بما تيسر له من إمكانات، بينما يغيب بعض من يتصدرون المشهد بألقاب القائد الأعلى والشيخ والنائب، عن الميدان الذي يفترض أن تكون لهم فيه مسؤولية وحضور؟.
الغزاة يقولون، إنهم يخوضون معركة ضد أمريكا وإسرائيل. لكن ما علاقة بيت المواطن التعزي بواشنطن؟ وما علاقة قريته بتل أبيب؟ وأي ذنب اقترفه طفل تعز حتى يصبح بيته ساحة حرب، وأي جريمة ارتكبها مزارع بسيط حتى يدفع ثمن صراعات لا علاقة له بصناعتها؟ إن الشعارات الكبرى لا تمنح أحدا حق تحويل بيوت الناس إلى أهداف، ولا تجعل دماء الأبرياء ثمنا في معارك الآخرين..
من المعيب أن يظل هؤلاء بعيدين عن تعز يتابعون المعركة من الرياض أو القاهرة وكأنهم يتابعون مباراة في كرة القدم، وأن نوابا لم يعودوا إلى دوائرهم الانتخابية للوقوف على أحوال ناخبيهم، والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الجدوى من منصب لا يصل صاحبه إلى الناس في أشد ساعات حاجتهم إليه؟ وما قيمة تمثيل سياسي ينقطع عن مجتمعه عندما تصبح كلفة المسؤولية مرتفعة..
ليست البطولة لمن يحتكر الألقاب ويترك الناس وحدهم
إن البطولة التي تستحق التوثيق اليوم هي بطولة الإنسان الذي يحاول حماية أسرته، والحفاظ على بيته، وإبقاء أطفاله بعيدا عن الخوف، وتأمين لقمة عيشه في ظروف قاسية. هي بطولة الأب الذي يطمئن أبناءه رغم قلقه، والأم التي تحاول أن تصنع من القليل أسبابا للاستمرار، والمواطن الذي يرفض أن يقتلع من أرضه أو يختزل في رقم ضمن إحصاءات الحرب..
هؤلاء لا يملكون بالضرورة مكاتب سياسية ولا منصات إعلامية ولا إمكانات ضخمة. ومع ذلك، يثبتون كل يوم أن الانتماء الحقيقي لا يحتاج إلى لقب، وأن المسؤولية قد يحملها إنسان بسيط لا يعرف طريقا إلى قاعات السلطة، لكنه يعرف جيدا معنى البيت والأرض والجيرة والكرامة..
ومن الظلم أن نمجد صمود الناس ثم نتركهم وحدهم، أو أن نجعل تضحياتهم ستارا يحجب التقصير. فالإشادة بالمواطن الصامد يجب ألا تتحول إلى ذريعة لتطبيع غياب المسؤول، ولا يجوز أن يصبح الصمود الشعبي بديلا دائما عن واجبات الدولة ومؤسساتها..
إلى متى تبقى المناصب بلا حساب؟
إن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا لم يعد هؤلاء إلى تعز؟ بل أيضا: ماذا قدموا لتعز وهم بعيدون عنها؟ هل سخروا مواقعهم لحماية أهلها؟ هل تابعوا أوضاع النازحين والجرحى والأسر المتضررة؟ هل تحركوا لتأمين الخدمات والإغاثة؟ هل تواصلوا بانتظام مع المواطنين؟ هل أعلنوا للرأي العام ما أنجزوه وما تعثر، وما أسباب التعثر؟.
تعز تحتاج إلى مؤسسات تعمل، ومسؤولين يتابعون، ونواب يتواصلون، ووجهاء يوظفون مكانتهم في خدمة المجتمع، لا إلى سباق في الألقاب فيما يتحمل المواطن وحده كلفة البقاء..