لستُ بصدد التذكير بفضل تعز على اليمن، شمالًا وجنوبًا؛ فهي رُمّانة الميزان، ورافعة الفعل الوطني في مختلف مراحله، ويطغى نصيبها من صناعة أحداثه التاريخية، وبفارق كبير، على أن يُختزل في سردٍ عابر أو شهادةٍ عاطفية.
تعز كانت رصاصة الثورة ومدفعها، وعقلها وقائدها؛ وحين نالها الحيف، لم ينتقص ذلك من أدوارها شيئًا، ولم يطفئ في إنسانها ذلك الشعور العميق بأن الوطن أكبر من الجراح، وأن الثورة التي اختارتها تعز طريقًا لم تكن غايةً عند محطة، وإنما مسارًا طويلًا من التضحيات، حتى تبلغ أهدافها، وإن تأخر الوصول.
لقد شعرت هذه المحافظة الباسلة، في مراحل كثيرة، بتعثر بعض أهداف التحولات الوطنية، لكنها لم تتخذ من ذلك ذريعةً للتراجع، بل واصلت دورها في إنضاج المراحل الوطنية والدفع بها صوب الوصول إلى غاياتها، وإن جاء الوصول متأخرًا.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة في تعز أنها، وهي التي ذاقت من المظالم ما يثقل كاهل الأرض والإنسان، لم تفقد قدرتها على قراءة التحولات، ولا على ضبط إيقاع حركتها الوطنية. يصعب وصف صبر هذه المحافظة، ودقة تحركاتها، بعقلانيةٍ باردة، لأن حجم ما تعرضت له أكبر من أن تحيط به اللغة في جملة، أو تختصره الذاكرة في صفحة.
فبعض المدن تُعرف بموقعها، وبعضها بثرواتها، وبعضها بما تتركه من عمران في الذاكرة؛ أما تعز، فقد اختارت لنفسها تعريفًا آخر:
أن تكون فكرة.
والفكرة لا تُحاصر.
قد تُحاصر الطرق، وتُغلق المنافذ، ويضيق العيش، وتثقل الأيام على الناس، لكن الفكرة تظل تبحث عن نافذة.
ومنذ أن دخلت تعز في صميم الحكاية الوطنية، وهي لا تتعامل مع اليمن بوصفه مساحةً بين حدود، وإنما بوصفه معنى يستحق أن يُدفع في سبيله الثمن.
ولهذا ربما كان نصيبها من التعب كبيرًا؛ لأن المدن التي تتقدم الصفوف لا تحصل دائمًا على مكافأة التقدم، بل قد تكون أول من يدفع فاتورته.
لقد أعطت تعز أكثر مما احتفظت به لنفسها، وحملت من أعباء التحولات الوطنية ما يجعل تاريخها أشبه بكتاب مفتوح؛ كلما قلبنا صفحةً وجدنا فيها أثرًا من آثار اليمن.
لكن المفارقة المؤلمة أن المدينة التي أسهمت في فتح أبواب كثيرة، لم تجد بعد الباب الذي يقود إلى اليمن الذي حلمت به.
وهنا لا يعود السؤال: ماذا قدمت تعز؟
السؤال الأشد إيلامًا هو:
متى يحصل اليمن على ما قدمته تعز من أجله؟
فالثورات لا تُقاس فقط بما تُسقطه من أنظمة، ولا بما تفتحه من أبواب، وإنما بما تنتهي إليه من دولة، وعدالة، ومواطنة، وكرامة إنسان.
وهنا تكمن حكاية تعز الكبرى.
لقد كانت في قلب التحولات، لكنها لم تصل بعد إلى اليمن الذي أرادته. وكلما ظن اليمنيون أن الطريق قد انفتح، أطل من بين الشقوق ما يعيدهم إلى منعطف آخر من الألم.
ومع ذلك، ظلت تعز تمشي.
تمشي في الحصار، وفي الحرب، وفي الخوف، وفي شح الإمكانات، لكنها تمشي؛ لأن المدن التي تحمل فكرة أكبر من جغرافيتها لا تستطيع أن تتوقف.
واليوم تقاتل هذه المحافظة الباسلة على أكثر من خمسين جبهة، وهي لا تقاتل من أجل جغرافيا محاصرة فحسب، بل من أجل معنى أوسع لليمن، ومن أجل حق الإنسان اليمني في أن يرى وطنه وقد خرج من متاهة الحرب إلى فضاء الدولة، ومن زمن الانقسام إلى أفق يتسع للجميع.
ومع كل هذا، لم تنكسر تعز.
بل لعلها، وهي تدفع من دم أبنائها ثمنًا باهظًا، تكتب فصلًا جديدًا من فصول الحلم الوطني؛ فصلًا قد يأتي يومه من طُهر هذه الأرض، ومن إنسانها الذي ما زال يجود بدمه من أجل اليمن، ورفعته، وعزه.
ولعل سر تعز ليس في قدرتها على القتال وحدها، وإنما في قدرتها على إبقاء فكرة الوطن حيّة حين يتعب الوطن من نفسه.
لهذا لا تبدو تعز، في لحظتها الراهنة، مدينة تنتظر نهاية معركة فحسب؛ إنها تنتظر نهاية مرحلة كاملة، وتنتظر معها أن يرى اليمنيون معنى النصر أبعد من خطوط التماس، وأوسع من الجغرافيا، وأبقى من لحظة عسكرية عسيرة.
إنها تنتظر وطنًا لا تكون فيه التضحيات مجرد أرقام في سجلات الحرب، ولا الشهداء أسماءً في قوائم الذاكرة، بل جسورًا يعبر عليها اليمن نحو الدولة التي حلم بها أبناؤه.
فليس المطلوب أن تُكافأ تعز على تضحياتها، وإنما أن يتحول معنى التضحية إلى دولة.
دولة لا يصبح فيها الانتماء الجغرافي قدرًا سياسيًا، ولا تتحول المواطنة إلى امتياز، ولا يكون مستقبل الإنسان رهينًا بموقعه من خطوط الحرب.
ذلك هو الامتحان الحقيقي.
فالنصر الذي تنتظره تعز لا ينبغي أن يكون مجرد نهاية حصار أو تبدل مواقع؛ النصر الأكبر هو أن يصبح اليمن قادرًا على حماية أبنائه من تكرار المأساة.
وعندها فقط يمكن أن نقول إن الدم الذي سال لم يذهب إلى الذاكرة وحدها، وإن الصبر الطويل لم يكن انتظارًا بلا نهاية.
تعز اليوم تقف على أكثر من خمسين جبهة، لكن أخطر جبهة ليست تلك التي تُرى بالعين.
إنها جبهة الحلم.
أن تبقى فكرة اليمن حيّة.
أن يظل الإنسان أكبر من الحرب.
وأن تظل الدولة، مهما طال الطريق، ممكنة.
ومن طُهر هذه الأرض، ومن إنسانها الذي ظل يعطي ولا يسأل كثيرًا عمّا سيأخذ، يمكن أن يولد شيء أكبر من انتصار مدينة:
يمكن أن يولد وطن.
وعندها تعود تعز إلى مكانها الأول في الحكاية؛ لا باعتبارها رُمّانة ميزان اليمن فحسب، بل باعتبارها واحدة من أكثر مرايا اليمن وضوحًا: إذا انكسر فيها معنى الوطن، انعكس الكسر على الوطن كله؛ وإذا نهضت فيها فكرة الدولة، فقد يرى اليمنيون في نهضتها شيئًا من ملامحهم المقبلة.
فـتعز لا تريد تمثالًا فوق ذاكرة الوطن؛ تريد وطنًا يليق بذاكرة أبنائها.
هذه تعز... وما أدراك ما تعز!