صرخة من جبهة تعز.. لا تتركوا الرجال وحدهم

قبل 42 دقيقة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

قال جندي من أبطال تعز، في فيديو انتشر على نطاق واسع، مخاطبًا الحوثيين من قلب الميدان: «استلمنا الرواتب، وسرحنا اشترينا الذخيرة.. عدينا أنفسنا وجهزنا... أقسم بالله اشترينا لكم به ذخيرة وقرون وجعاب... لنقاتلكم لآخر نفس بمجهودنا الشخصي!» ثم أردف: «لن نرجع إلى حكم الإمامة، سنقاتلكم جيلاً بعد جيل... خرجنا على مبدأ: دفاع عن دين، عن عرض، عن وطن... موعدنا العاصمة صنعاء»، قبل أن يفتح كيس الرصاص ويقول: «هذه لكم يا زنابيل، لكل زنبيل طلقة».


قد يبدو الكلام في ظاهره مجرد حماس مقاتل في خندق، لكنه في الحقيقة يلخص مأساة أوسع: رجال مستعدون للقتال، وإرادة لا تنقصها الشجاعة، بينما لا تزال المنظومة التي يفترض أن تسندهم عاجزة عن تحويل هذه الإرادة إلى قوة منظمة ومتكاملة. فالجندي الذي يقتطع من راتبه ليشتري الذخيرة لا يقدم بطولة شخصية فحسب، بل يذكّر القيادة بأن المقاتل قد يبذل كل ما يستطيع، لكن الدولة لا يجوز أن تطلب منه أن يحمل وحده أعباء مؤسسة كاملة.


لقد جاءت التطورات الأخيرة في الساحل الغربي لتجعل هذه الرسالة أكثر خطورة وإلحاحًا. فما شهدته الجبهة من تراجع في بعض المواقع، والوصول إلى المخا، ثم إعادة تموضع القوات وانسحابات سبقت وصول الغازي إلى بعض المواقع، وما رافق ذلك من ترك مواقع ومعدات للعدو، كلها أحداث تقول بوضوح إن المعركة لا تُدار بالشجاعة وحدها، وإن امتلاك الرجال والسلاح لا يكفي إذا غاب القرار السريع، والإسناد الفعال، والتنسيق الحقيقي بين الجبهات والتشكيلات. والمخيف ليس فقدان موقع هنا أو هناك، وإنما أن يتحول التشتت وتأخر الإسناد وسوء إدارة القوة إلى سلسلة من الخسائر تفتح للحوثي طرقًا لم يكن قادرًا، ولا حتى حالمًا، على فتحها بقوته وحدها.


وهنا يجب أن نتوقف أمام تعز. فالمقاتلون في مقبنة والكدحة وجبل حبشي وغيرها لم ينتظروا ظروفًا مثالية، بل صمدوا بما توفر لهم، وقدموا من أرواحهم وأموالهم ما يستطيعون، وكسروا الحوثي وسيكسرونه ما دامت هذه عقيدتهم وهذه صلابتهم. لكن هل المطلوب أن نعتمد على شجاعة الجندي لتعويض ضعف الإسناد؟ وهل يصبح إنفاقه من راتبه على الذخيرة دليلًا على كفاءة المؤسسة العسكرية، أم دليلًا على حجم الخلل الذي يجب معالجته؟


إن ما جرى في الساحل يجب أن يكون درسًا لا مناسبة للعتب؛ فتعز والساحل الغربي جبهة متصلة، وما يصيب إحداهما لا يبقى محصورًا فيها. وكل موقع لا يُدعّم في وقته قد يتحول إلى ثغرة، وكل قوة لا تُنسّق مع غيرها قد تتحول من عنصر قوة إلى فرصة يستغلها الخصم. ولذلك فإن المطلوب اليوم قرار عسكري يعيد ترتيب الأولويات، ويضع القيادات العسكرية المناسبة في مواقعها، ويستعيد زمام المبادرة باستعادة المواقع التي سقطت بالانسحاب، ثم البناء عليها بهجوم منظم يحقق مكاسب أكبر مما فُقد، بدل أن تبقى القوات في موقف الدفاع وانتظار ما يقرره الخصم.


كما أن المطلوب توحيد إدارة المعركة عبر غرفة عمليات واحدة، قادرة على التنسيق بين الجبهات والتشكيلات، وتوفير السلاح والذخيرة والاستطلاع والإسناد، وضمان وصولها إلى المقاتلين في الوقت المناسب، قبل أن يصبح الموقع مهددًا أو تتحول القوة الموجودة فيه إلى عبء يصعب إنقاذه. فالمعركة لا تحتاج فقط إلى رجال شجعان، وإنما إلى قيادة تعرف أين تضعهم، ومتى تسندهم، ومتى تنتقل بهم من الدفاع إلى الهجوم.


فيا قيادة محور تعز، ويا وزارة الدفاع، ويا قيادة الجيش: لا تنتظروا سقوط المواقع حتى تبدأوا البحث عن أسباب سقوطها، ولا تنتظروا استشهاد الرجال حتى تكتشفوا بطولاتهم. أنقذوا المواقع قبل أن تسقط، وأسندوا الرجال قبل أن يُخذلوا، ووحّدوا الجهد العسكري قبل أن يستفيد الحوثي من التشتت.


إن صرخة ذلك الجندي ليست طلبًا للشفقة، بل إعلانًا عن استعداد الرجال للقتال. والمطلوب من القيادة أن تجيب على هذا الإعلان بالفعل لا بالكلام. فالشجاعة موجودة في الميدان، والرجال موجودون، والإرادة موجودة؛ وما ينقص هو أن تتحول هذه العناصر إلى قوة تقودها رؤية وقرار وإسناد.


فلا تنتظروا سقوط موقع حتى يتحول إلى صندوق قتل ودمار، ثم تتحركوا بعد فوات الأوان؛ لأنكم بذلك لا تنقذون الموقع، بل قد تنبّهون العدو إلى أن أمامه غنيمة جاهزة، وتمنحونه فرصة للإسراع في إخراج ما تركته القوات المنسحبة خلفها. وخسارة الموقع لا تعني فقدان الأرض وحدها، وإنما قد تعني أيضًا أن تتحول أسلحة وذخائر وتجهيزات بقيت مخزنة ولم تصل إلى المقاتلين في وقت حاجتهم إليها إلى مكاسب للعدو، فيما تُهدر معها جهود الرجال وتضحياتهم.


وتعز التي دفعت من دم أبنائها الكثير لا تريد أن تسمع غدًا كلمات الرثاء على رجال كان يمكن إنقاذهم، ولا بيانات الأسف على مواقع كان يمكن تثبيتها. لا تتركوا الرجال وحدهم؛ فخسارة الموقع قد تُعوض، أما خسارة الثقة في الدولة وفي جدوى التضحية، فهي المعركة الأخطر.