إلى كاتب المنشور ومن يشاركه هذا الطرح:
قبل أن نختلف في السياسة، علينا أن نتفق على شيء أهم منها: أن التاريخ لا يُكتب بالشعارات، ولا يُثبت بالصراخ، ولا يُحسم بكثرة علامات التعجب والاستفهام.
تطرحون سلسلة من الأسئلة عن ما تسمونه «دولة الجنوب العربي»، ثم تبنون عليها نتيجة مسبقة مفادها أن الجنوب العربي لم يكن دولة، وأن كل ما يتعلق به مجرد «فزورة» أو «كذبة».
وهنا نقول بكل هدوء:
عدم وجود دولة مستقلة ذات سيادة باسم «الجنوب العربي» لا يعني أن مصطلح الجنوب العربي كان كذبة.
فهناك فرق كبير بين الكيان السياسي المستقل وبين التسمية السياسية والجغرافية التي استخدمتها بريطانيا وحركات وأحزاب سياسية في مرحلة تاريخية معينة.
فإذا أردنا أن نحتكم للتاريخ، فلنحتكم إليه كاملًا، لا أن ننتقي منه ما يخدم موقفنا ونترك ما لا يخدمه.
أما أسئلتكم:
من هو رئيس الجنوب العربي؟
نقول: إذا كان المقصود دولة مستقلة ذات سيادة باسم «الجنوب العربي»، فالسؤال نفسه يفترض وجود دولة بالمعنى القانوني والسياسي، وهذا يحتاج إلى إثبات، وليس إلى سؤال استنكاري.
لكن في المقابل، هل يعني عدم وجود رئيس لدولة مستقلة باسم الجنوب العربي أن كل الحديث عن «الجنوب العربي» اختراع حديث؟
بالطبع لا.
لقد استُخدم مصطلح «الجنوب العربي» في سياقات سياسية وتاريخية متعددة، وارتبط خصوصًا باتحاد الجنوب العربي الذي كان كيانًا سياسيًا تحت الحماية والنفوذ البريطاني، وليس دولة مستقلة ذات سيادة كاملة.
وهنا تحديدًا يجب أن نكون دقيقين:
اتحاد الجنوب العربي ليس هو «دولة الجنوب العربي المستقلة»، والخلط بين الاثنين خطأ تاريخي.
أما القول إن حضرموت «لم تدخل ضمن الجنوب العربي»، بهذه الصورة القطعية، فيحتاج هو الآخر إلى تفصيل لا إلى جملة عابرة.
فحضرموت كانت لها كياناتها السياسية وسلطناتها التاريخية، وكانت علاقتها بالمشروع السياسي للجنوب العربي وبالاتحاد معقدة ومتغيرة، ولم تكن مجرد محافظة عادية تابعة لكيان واحد طوال الفترة السابقة للاستقلال.
بل إن التاريخ السياسي للجنوب قبل الاستقلال كان مليئًا بالسلطنات والمشيخات والإمارات والكيانات المحلية، وكان النفوذ البريطاني حاضرًا بدرجات مختلفة.
ولهذا فإن اختزال كل ذلك في عبارة:
«حضرموت لم تدخل الجنوب العربي، وإنما دخلت جنوب اليمن عام 1967»
هو تبسيط شديد لتاريخ سياسي أكثر تعقيدًا.
ثم نصل إلى قضية العلم.
تقولون: لماذا لا يرفع الانتقالي «علم الجنوب العربي الحقيقي»؟
وهنا أيضًا السؤال بحاجة إلى تصحيح قبل أن تكون له إجابة.
العلم ليس مجرد قطعة قماش تثبت وحدها وجود دولة.
هناك أعلام لحركات التحرر، وأعلام لكيانات سياسية، وأعلام لدول قائمة، وأعلام تاريخية لكيانات لم تعد موجودة.
والعلم الذي أصبح رمزًا للحراك الجنوبي والقضية الجنوبية اليوم ليس بحاجة إلى أن يكون علم دولة مستقلة سابقة حتى يصبح رمزًا سياسيًا لقضية معاصرة.
فالحركات السياسية في العالم كثيرًا ما تصنع رموزها وأعلامها الخاصة، وقد تصبح تلك الرموز لاحقًا رموزًا لدولة إذا نجحت الحركة في تحقيق مشروعها السياسي.
وهنا المفارقة:
إذا كنتم تقولون إن ثورة أكتوبر صنعت علمًا، فلماذا تستنكرون على حركة جنوبية معاصرة أن يكون لها رمزها وعلمها السياسي؟
أما وصف هذا العلم بأنه «علم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية» فصحيح من حيث ارتباطه التاريخي بتلك الدولة، لكن استخدامه اليوم من قبل أنصار القضية الجنوبية لا يعني بالضرورة أنهم يدّعون أن الدولة السابقة بكل نظامها السياسي وحزبها الحاكم يجب أن تعود كما كانت.
فالرمز يمكن أن يتغير معناه السياسي عبر الزمن.
لقد رفعت شعوب كثيرة أعلامًا تاريخية وأعادت توظيفها في مشاريع سياسية جديدة.
أما تحويل الخلاف حول العلم إلى اتهام بالخجل أو العار، فهذا ليس نقاشًا تاريخيًا، بل خطاب تعبوي.
ثم إن أخطر ما في هذا الطرح ليس الأسئلة التاريخية، وإنما الطريقة التي يُراد بها استخدامها لضرب القضية الجنوبية من أساسها.
يا إخواننا:
القضية الجنوبية لا تُثبت بكذبة، لكنها أيضًا لا تُسقط بفزورة.
ومن حق أي جنوبي أن يسأل:
ما شكل الدولة القادمة؟
ما حدودها؟
ما هويتها؟
ما نظامها السياسي؟
ما علاقتها بجيرانها؟
وكيف ستُبنى مؤسساتها؟
وكيف ستُحل قضايا الأرض والثروة والحقوق؟
هذه أسئلة مشروعة.
لكن تحويلها إلى وسيلة لتخوين كل من يختلف معكم، أو اتهامه بأنه «عميل لباب اليمن» أو «إخونجي» أو «متبنكس»، ليس حوارًا.
وبالمناسبة، هذه المشكلة لا تخص طرفًا واحدًا.
لا تجعلوا من «إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا» قاعدة سياسية.
فالجنوب أكبر من حزب، وأكبر من مجلس، وأكبر من تيار، وأكبر من كاتب أو ناشط أو قائد.
ومن حق الجنوبي أن يؤيد القضية الجنوبية ويختلف مع الانتقالي.
ومن حقه أن يؤيد الانفصال ويختلف مع شكل الدولة المقترحة.
ومن حقه أن يتمسك بتاريخ حضرموت وشبوة والمهرة وعدن وأبين وسقطرى ولحج والضالع، وأن يرى أن لكل منطقة خصوصيتها التاريخية والسياسية.
فالوطن لا يُبنى بإلغاء أسئلة أبنائه.
وأما قولكم:
«لقد أسمعت لو ناديت حيًا، ولكن لا حياة لمن تنادي»
فنقول لكم:
لسنا بحاجة إلى أن ننادي الموتى، ولا أن نصف المخالفين بأنهم بلا عقل.
يكفينا أن نضع الوثيقة أمام الوثيقة، والتاريخ أمام التاريخ، والحجة أمام الحجة.
فإذا ثبت أن «الجنوب العربي» كان دولة مستقلة ذات سيادة، فليُذكر لنا تاريخ استقلالها، ونظامها، ورئيسها، وحدودها، وعضويتها الدولية، ودستورها، ومؤسساتها.
وإذا لم يكن كذلك، فلا يجوز أن نحول مصطلحًا سياسيًا وتاريخيًا إلى دولة افتراضية ثم نبني عليه حقائق غير موجودة.
وفي المقابل، إذا كان الهدف هو نفي حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم بحجة أن الدولة الجنوبية السابقة لم تكن موجودة باسم «الجنوب العربي»، فهذه حجة لا تستقيم أيضًا.
حق الشعوب في تقرير مستقبلها لا يُشترط أن يكون لديها دولة سابقة تحمل الاسم نفسه.
وهذه هي النقطة التي يجب ألا نهرب منها.
إن كنا نريد دولة جنوبية جديدة، فلنتحدث عنها بصراحة:
لا نحتاج إلى اختراع دولة تاريخية لم تكن موجودة، كما لا نحتاج إلى إنكار تاريخ الجنوب السياسي والاجتماعي الممتد، ولا إلى مصادرة حق أبنائه في اختيار مستقبلهم.
التاريخ ليس ملكًا للانتقالي، وليس ملكًا للاشتراكي، وليس ملكًا للوحدة، وليس ملكًا لأي حزب أو جماعة.
التاريخ ملك للحقيقة.
ومن أراد أن يحاججنا بالتاريخ، فليأتِ بالوثيقة كاملة، لا بجزء منها.
ومن أراد أن يناقش القضية الجنوبية، فليناقشها بالعقل، لا بالتخوين.
فالجنوب لا يحتاج إلى أساطير حتى يكون له حق، ولا يحتاج إلى تزوير التاريخ حتى تكون له قضية.
وقبل أن نسأل: «أين دولة الجنوب العربي؟»
علينا أن نسأل السؤال الأهم:
هل نريد أن نختلف على أسماء وأعلام دول انتهت، أم نريد أن نتفق على مستقبل شعب ما زال يبحث عن دولة عادلة تحفظ كرامته وحقوقه؟
هنا يبدأ الحوار الحقيقي.
✍🏼 بقلم أديب العقيلي