البحر الأحمر والشرعية اليمنية. لحظة اختبار حقيقية.!

الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026 - 10:16 ص


د.نبيلة الحكيمي
بقلم: د.نبيلة الحكيمي
ارشيف الكاتب

إذا كان ملف البحر الأحمر سيكون حاضرًا على طاولة الكونغرس الأمريكي

فإن السؤال الذي يجب أن يكون حاضرًا بالدرجة نفسها على طاولة الشرعية اليمنية هو


ماذا يعني هذا الاهتمام الدولي لليمن؟

وماذا تريد الشرعية أن تفعل بهذه اللحظة؟


فالمسألة بالنسبة لليمن ليست أن يحضر اسم البحر الأحمر في النقاشات الأمريكية

ولا أن يتحول اليمن إلى عنوان أمني في الاستراتيجيات الدولية

وإنما أن تنجح الشرعية في نقل القضية من أمن الممرات البحرية فقط إلى أمن الدولة اليمنية ذاتها.


وهنا تحديدًا تظهر مسؤولية الشرعية.


فلا يمكن أن تطالب الشرعية المجتمع الدولي بحماية أمن البحر الأحمر

ثم تظل عاجزة عن تقديم مشروع واضح لاستعادة الدولة التي يفترض أن تكون صاحبة السيادة على جزء أساسي من هذا الممر الاستراتيجي.


ولا يمكن أن تطلب دعم العالم لأمن الملاحة الدولية دون أن تجعل من استعادة مؤسسات الدولة وتوحيد القرار السياسي والعسكري والأمني أولوية مطلقة.


ولا يمكن أن تتحدث عن سيادة اليمن بينما تظل السيادة نفسها مجزأة بين مراكز قوى وأطراف متعددة.


أمن البحر الأحمر يبدأ من استعادة الدولة اليمنية.


وهذه ليست عبارة سياسية للاستهلاك السياسي انما

حقيقة استراتيجية.


فكلما ضعفت الدولة اليمنية

أصبحت سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية وموقعها الجغرافي أكثر قابلية لأن تتحول إلى ساحات للصراع والتدخلات الخارجية.


وكلما استقرت الدولة

وتوحد قرارها

وأصبح لديها جيش وطني ومؤسسات أمنية وقضائية فاعلة

أصبحت قادرة على القيام بدورها الطبيعي في حماية أراضيها ومياهها ومصالحها

والإسهام في حماية أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.


ماذا يجب أن تفعل الشرعية؟


أولًا: أن تقدم نفسها للمجتمع الدولي باعتبارها مشروع دولة

لا مجرد طرف في الحرب.


وهذا يتطلب أن تنتقل من خطاب الشكوى إلى خطاب المشروع


ما هي الدولة التي تريد بناءها؟


كيف ستوحد مؤسساتها؟


كيف ستعيد بناء الجيش والأمن على أسس وطنية؟


كيف ستنهي تعدد مراكز القرار؟


كيف ستفرض القانون؟


كيف ستعيد بناء الاقتصاد؟


وكيف ستضمن أن تكون موارد وموانئ وسواحل اليمن في خدمة الدولة والشعب، وليس في خدمة شبكات النفوذ والمصالح الخاصة؟


ثانيًا: أن تجعل أمن البحر الأحمر جزءًا من مشروع استعادة الدولة، وليس ملفًا منفصلًا عنه.


على الشرعية أن تقول للمجتمع الدولي بكل وضوح


إذا كنتم تريدون بحرًا أحمر آمنًا

فساعدوا اليمن على بناء دولة مستقرة وقادرة.


إذا كنتم تريدون حماية الملاحة

فساعدوا اليمن على استعادة مؤسساته.


إذا كنتم تريدون إنهاء التهديدات في باب المندب فساعدوا اليمن على إنهاء أسباب انهيار الدولة.


وإذا كنتم تريدون استقرار المنطقة

فلا يمكن تجاوز القضية اليمنية أو التعامل معها باعتبارها مجرد مشكلة أمنية.


فالحل الأمني وحده لا يصنع أمنًا مستدامًا.


ثالثًا: أن تطالب الشرعية بأن يكون لليمن دور حقيقي في أي ترتيبات إقليمية أو دولية تخص أمن البحر الأحمر.


فاليمن ليس مجرد جغرافيا تقع على البحر الأحمر

وليس مجرد دولة ينبغي أن تُفرض عليها ترتيبات أمنية من الخارج.


اليمن دولة ذات سيادة

وشعبها صاحب المصلحة الأولى في أمن مياهه وسواحله وموانئه وممراته البحرية.


ومن ثم فإن أي ترتيبات تخص أمن البحر الأحمر يجب أن تراعي السيادة اليمنية والمصلحة اليمنية

وأن تساعد على بناء القدرات الوطنية للدولة

لا أن تستبدل الدولة بترتيبات أمنية مؤقتة.


رابعًا: أن تحول الشرعية موقع اليمن من ورقة صراع إلى ورقة سلام وتنمية.


وهذه نقطة شديدة الأهمية.


اليمن يستطيع أن يكون مركزًا للتجارة والموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة والاستثمار البحري

وأن يستفيد من موقعه بدل أن يدفع ثمنه.


لكن ذلك يتطلب دولة.


فالموانئ لا تزدهر في ظل الحرب.


والاستثمار لا يأتي إلى دولة متعددة السلطات.


والتجارة الدولية لا يمكن أن تزدهر في بيئة أمنية مضطربة.


والتنمية لا يمكن أن تقوم في ظل اقتصاد حرب.


لذلك فإن استعادة الدولة ليست فقط قضية سياسية؛

إنها أيضًا مشروع اقتصادي مرتبط مباشرة بمستقبل البحر الأحمر.


وهنا يجب أن تكون الشرعية صريحة مع نفسها


إذا كانت صادقة في استعادة الدولة

فإن ملف البحر الأحمر يمنحها فرصة نادرة لإعادة تقديم القضية اليمنية للعالم.


لكن عليها أولًا أن تقدم نموذجًا مختلفًا عن الماضي.


لا مزيد من الصراع على المناصب.


لا مزيد من تقاسم الدولة.


لا مزيد من تحويل المؤسسات إلى حصص سياسية.


لا مزيد من تغليب المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية.


ولا مزيد من التعامل مع الدولة باعتبارها مصدرًا للسلطة والامتيازات.


الدولة يجب أن تكون هي الغاية

والسلطة وسيلة لخدمة الدولة والمواطن.


وهذا هو الاختبار الحقيقي.


فالمجتمع الدولي قد يدعم الشرعية سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا

لكنه في النهاية يحتاج إلى أن يرى شريكًا قادرًا على إدارة دولة

لا مجرد أطراف تنتظر الدعم أو تتنافس على النفوذ.


رسالة الشرعية إلى واشنطن يجب أن تكون مختلفة


بدل أن تذهب الشرعية إلى واشنطن لتطلب فقط المزيد من الدعم

عليها أن تذهب برسالة أكبر:


نحن لا نريد أن يكون اليمن ساحة لحماية مصالح الآخرين فقط

نريد أن يكون دولة قادرة على حماية مصالحها ومصالح جيرانها والملاحة الدولية.


نحن لا نريد أن يكون البحر الأحمر سببًا لاستمرار الحرب

نريد أن يكون بوابة لإنهائها.


نحن لا نريد أن يتحول باب المندب إلى نقطة توتر دائم

نريد أن يتحول إلى نقطة اتصال بين اليمن والعالم.


نحن لا نريد أن يكون موقع اليمن سببًا للتدخلات

نريد أن يكون مصدر قوة وسيادة وتنمية.


لكن هذه الرسالة لن تكون مقنعة إلا إذا بدأت الشرعية من الداخل.


استعادة الدولة أولًا.

توحيد القرار ثانيًا.

بناء المؤسسات ثالثًا.

فرض القانون رابعًا.

ثم تحويل الموقع الاستراتيجي لليمن إلى قوة سلام وتنمية.


وهنا يلتقي الملف اليمني بالملف العالمي


إن أزمة البحر الأحمر ليست منفصلة عن الأزمة الأكبر التي يعيشها العالم.


فالعالم اليوم أمام حروب متداخلة

وتنافس بين القوى الكبر

وسباقات تسلح

وأزمات اقتصادية وغذائية

وتراجع في قدرة النظام الدولي على منع الحروب أو احتوائها.


ولهذا فإن المطلوب ليس فقط إطفاء حريق هنا أو هناك

وإنما إعادة الاعتبار إلى فكرة السلام نفسها.


نحن بحاجة إلى حركة سلام عالمية قوية تضغط على الحكومات والقوى الدولية لاحترام القانون الدولي

وحماية المدنيين

وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية

وإعادة الاعتبار إلى المؤسسات الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار مآسيها.


والأهم أن يعاد توجيه جزء أكبر من موارد العالم من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام


من السلاح إلى التعليم.


من التدمير إلى الإعمار.


من سباقات التسلح إلى البحث العلمي.


من تمويل الحروب إلى الصحة والغذاء.


من صناعة الخوف إلى بناء الإنسان.


فالسلام ليس مجرد وقف إطلاق النار.


السلام هو أن يشعر الإنسان أن حياته وكرامته ومستقبله أهم من كل الحسابات الجيوسياسية.


واليمن يستطيع أن يكون جزءًا من صناعة هذا السلام


وهنا تحديدًا يمكن للشرعية أن تجعل من ملف البحر الأحمر نقطة تحول.


بدل أن يكون اليمن عنوانًا للتهدي

يمكن أن يصبح عنوانًا للاستقرار.


وبدل أن يكون باب المندب نقطة صراع، يمكن أن يصبح بوابة للتجارة والتنمية.


وبدل أن يكون الموقع الاستراتيجي لليمن سببًا للتدخلات، يمكن أن يصبح مصدرًا لقوة الدولة وسيادتها.


وبدل أن تكون الشرعية طرفًا ينتظر أن يقرر الآخرون مستقبل اليمن، عليها أن تصبح طرفًا يطرح رؤية واضحة لمستقبل اليمن والمنطقة والبحر الأحمر.


وهذه الرؤية تبدأ من حقيقة بسيطة


لا أمن مستدامًا في البحر الأحمر من دون دولة يمنية مستقرة.

ولا دولة يمنية مستقرة من دون قرار وطني موحد.

ولا قرار وطنيًا موحدًا من دون مؤسسات وطنية.

ولا مؤسسات وطنية من دون إرادة سياسية تتجاوز المصالح الشخصية والحسابات الضيقة.


ولهذا فإن ملف البحر الأحمر ليس مجرد ملف دولي يناقشه الكونغرس الأمريكي.


إنه مرآة تكشف قدرة الشرعية اليمنية على أن تكون شرعية دولة فعلًا.


فإما أن تستغل هذه اللحظة لتقول للعالم

ساعدونا على استعادة الدولة وسنكون شركاء في صناعة أمن وسلام البحر الأحمر.


وإما أن تترك الآخرين يتحدثون عن اليمن ويقررون بشأن أمنه وموقعه ومستقبله بينما تنشغل هي بصراعاتها الداخلية.


وهنا تحديدًا سيكون الاختبار.


فاليمن لا يحتاج فقط إلى من يدافع عنه في الخارج.


اليمن يحتاج إلى دولة تدافع عن مصالحه من الداخل.


وهذه هي مسؤولية الشرعية الأولى والأكبر.

@nabilaalhakimi