في المشهد اليمني المعقّد، تتداخل الخيوط، وتتشابك المصالح، وتختلط الأهداف، حتى يصعب على المراقب العادي تمييز الحقيقة من المجاز. لكن ثمة حقائق لا تحتاج إلى كثير تأمل، بل تحتاج فقط إلى شجاعة لقولها.
في نهاية عام 2019، وبطلب رسمي، غادرت القوات الإماراتية تحالف دعم الشرعية، في وقت كانت فيه المليشيات الحوثية محاصرة فعلياً في العاصمة صنعاء. كان المشهد العسكري يومها يبشّر بقرب الحسم. لكن سرعان ما انقلبت الموازين بعد ذلك الخروج، وتحول الحوثي من محاصر إلى حاصر، ليقلب الطاولة على قوات التحالف في مديريتين بمأرب.
وهنا يكمن السؤال المحيّر الذي يتجاهله الكثيرون: كيف يمكن لقوات الجنوب، حين كانت جزءاً من المعركة، أن تحرّر محافظات شاسعة في أيام معدودة من قبضة الحوثي وعفاش، بينما تظل قوات الشمال، رغم ما أُشبعَت به من عتاد ودعم غير محدود، عاجزة عن تحرير صنعاء ذاتها؟
أليس في هذا التناقض ما يشي بأن الأولوية ليست تحرير العاصمة بقدر ما هي الحفاظ على معادلة الهيمنة الشمالية على الجنوب؟
الجنوب: ورقة تفاوضية أم هدف؟
مع بداية 2026، بدأت الأصوات ترتفع للمطالبة بإخراج آخر جنود الإمارات من الجنوب، ووقف الدعم عن المجلس الانتقالي والقوات المسلحة الجنوبية. ومعها، طرحت فكرة خطيرة: أن يكون الجنوب ورقةً تُسلَّم للحوثي، لقاء تفاهمات إقليمية تخدم أطرافاً أخرى.
أقولها بكل وضوح: إذا كان الجنوب قد تحرر في زمن قياسي في الماضي، فذلك لأن أبناءه كانوا يخوضون معركة وجود واستقلال، وليس معركة نفوذ. أما اليوم، حين تُقصف قواته من قبل طيران دول الجوار في حضرموت والمهرة، وتُجبر على الانسحاب، فلا يمكن قراءة ذلك إلا في سياق تفاهمات تتجاوز حدود اليمن، تهدف إلى تقاسم الثروات وإعادة ترتيب النفوذ على حساب الدم الجنوبي.
صفقة مواربة
ما يحدث اليوم يطرح تساؤلاً مشروعاً ومؤلماً:
هل تم ربط تحرير صنعاء بعودة التبعية الجنوبية؟
يبدو أن البعض لا يريدون لدولة الجنوب أن تقوم، لأن قيامها يعني فقدان السيطرة على الموانئ والثروات النفطية والغازية التي ظلت لعقود تُنهب تحت غطاء الوحدة. وكأن معادلة الصراع أصبحت: لا تحرير للشمال دون إجهاض حلم الجنوب.
المشهد بات مكشوفاً. التفاهمات الإقليمية التي تجري خلف الأبواب المغلقة لا تبدو معنية بالقضاء على المشروع الإيراني في المنطقة بقدر ما تبدو معنية بترتيب بيت النفوذ الداخلي، حتى لو كان الثمن هو تفريغ الجنوب لمصلحة الحوثي، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، حيث كانت ميليشيات الجمهورية العربية اليمنية تنظر إلى الجنوب باعتباره غنيمة لا شريكاً.
حقيقة مرة.. وصوتٌ لا بد منه
هذه هي الحقيقة التي يعرفها الجميع، في الداخل والخارج. حقيقة يدركها السياسيون، ويلمسها المقاتلون على الأرض، ويتذوق مرارتها النازحون في المخيمات. لكن القليلين هم من يجرؤون على البوح بها، خوفاً من مغبة التصريح، أو تجنباً لإحراق السفن.
لكن الصمت اليوم ليس خياراً. فالجنوب العربي ليس هبةً لأحد، ولا يمكن أن يكون ثمن تسوية سياسية بين أطراف لا تربطهم به رابطة الدم والتاريخ الطويل. إن ترك الحوثي يعود إلى عدن والمكلا بعد أن طُرد منهما بالقوة، هو إهدار لتضحيات الآلاف من الشهداء، وخيانة لحلمٍ لم يمت رغم كل المرارات.
اليوم، نطرح السؤال بجرأة:
إلى متى ستظل قضايا الجنوب رهينةً بتفاهمات لا تخدم إلا مصالح من أتعبوا شعوبهم؟
قبل فوات الأوان، يجب أن يعي الجميع أن استقرار اليمن كله يبدأ من عدالة الجنوب، لا من إخضاعه.
الصحفي صالح حقروص
2026/8/31م