استعيدوا اليمن أولًا... ثم اختلفوا على اليوم التالي

الأحد - 30 أغسطس 2026 - 08:26 م


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

-نحو تيار وطني جارف لاستعادة الدولة والجمهورية-


-د. علي العسلي-


اطلعت على مقال الزميل الدكتور -مصطفى محمود: «-قراءة في تيار استعادة حزب المؤتمر ومعارضوه-»، وأعجبتني فيه محاولة قراءة الخلاف داخل المؤتمر بعيدًا عن الشخصنة ومحاكمة النوايا. ولا شك أن تحريك المياه الراكدة داخل المؤتمر، واستعادة دوره ووحدته، يمكن أن يكون خطوة مهمة في تحريك الحياة السياسية اليمنية التي أصابها الكثير من الجمود والتشظي.


لكنني أرى أن علينا، ونحن نناقش هذه المسألة، أن نرفع النظر قليلًا من تفاصيل المؤتمر إلى الصورة الأكبر؛ فما يجري اليوم بين أبناء المؤتمر ليس سوى -صورة مصغرة لما يجري، تحت الرماد، بين مختلف الأحزاب والمكونات والتشكيلات اليمنية حول اليوم التالي-: من يقود؟ ومن يشارك؟ وما شكل الدولة؟ وكيف ستكون موازين القوة؟


وهنا تكمن الخطورة.


-فإذا انشغل الجميع بتفاصيل اليوم التالي قبل أن يستعيدوا اليمن، فقد لا يأتي ذلك اليوم أصلًا.-


وفي الحقيقة، أنا مع أن تتحرك الأحزاب كلها، لا مع حزب ضد آخر، ولا مع تيار ضد تيار. فقد تجمدت أحزابنا وتخشبت، وتراجعت أدوارها، وتركت الساحة فارغة، حتى كادت الحياة السياسية أن تدخل في موت سريري، بينما تقدمت إلى الواجهة مشروعات أصغر من اليمن، وبعضها لا يؤمن أصلًا بالدولة والجمهورية.


ولذلك، فإن إنعاش الحياة الحزبية والسياسية ليس ترفًا ولا خطأ ينبغي الخوف منه؛ بل هو حاجة وطنية. -وقد ترافق هذا الحراك بعض الأخطاء والتنافس والحسابات، لكن خطأ الحركة أهون بكثير من خطر الجمود والفراغ.-


-نعم، فليتحرك المؤتمر أو غيره، وليستعد عافيته ودوره، ولتتحرك معه بقية الأحزاب والمكونات-. لا بأس أن يتحرك الجزء، بل نحن بحاجة إلى أن تتحرك الأجزاء كلها، لكن لا ينبغي أن تتوقف حركة استعادة اليمن عند أي حزب أو مكون.


فالهدف الجامع الذي ينبغي أن تتقدم عليه كل الحسابات هو: -استعادة اليمن، واستعادة الدولة والجمهورية والقرار الوطني.-


أما بعد ذلك، فعلى كل حزب وتيار ومكون أن يطرح ما يراه، وأن يتنافس سياسيًا، وأن يدافع عن رؤيته لليمن ومستقبله. لكن الأولوية الآن ليست لمن سيأخذ ماذا في اليوم التالي، وإنما -كيف نصل إلى اليوم التالي أصلًا؟-


فلا يجوز أن نتنازع على صورة اليمن في الغد، ونترك الحوثي مستمرًا في العبث بهويته ودولته وجمهوريته، وكأن خلافاتنا على المستقبل يمكن أن تبرر ترك الحاضر له.


ولعل ما حدث في الماضي يقدم لنا درسًا لا يجوز تكراره.


فعندما انشغل اليمنيون بصراعاتهم، وتركوا خلافاتهم تتسع حتى أصبح إسقاط الخصم عند بعضهم أهم من حماية الدولة، دخل الحوثي صنعاء ونفذ انقلابه، مستفيدًا من حالة الانقسام والعداء المتبادل. وكان هناك من رأى في سقوط خصومه مكسبًا، فإذا بالدولة والجمهورية ترحلان معًا، وتكشّر الإمامة عن أنيابها من جديد.


-فلا نكرر الخطأ نفسه.-


لا نريد أن نختلف على من يرث البيت، بينما البيت نفسه ما يزال تحت يد من استولى عليه.


نحن بحاجة إلى أن تترفع الأحزاب والمكونات عن تفاصيلها الصغيرة، لا أن تلغيها؛ وأن تؤجل معاركها على مواقع النفوذ وترتيبات المرحلة إلى ما بعد استعادة الوطن.


فالوطن أولًا، والدولة أولًا، والجمهورية أولًا.


ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس تيارًا لاستعادة المؤتمر وحده، ولا تيارًا لمواجهة هذا المكون أو ذاك، وإنما -تيار وطني جارف لاستعادة الدولة والجمهورية-؛ تيار تتجمع فيه الأحزاب والمكونات والشخصيات الوطنية، لا لإلغاء اختلافاتها، وإنما لوضعها في مكانها الصحيح، وإيجاد آلية لإدارتها، بحيث تبقى الخلافات تحت سقف الهدف الوطني الجامع، وتُعطى الأولوية لما يجمع اليمنيين على ما يفرقهم.


تيار داعم وضاغط، يرفع قضية الاستعادة فوق الحسابات الصغيرة، ويقول للجميع:


-تحركوا... ولكن في الاتجاه الصحيح.-


فليتحرك المؤتمر، ولتتحرك بقية الأحزاب، ولتتحرك المكونات، ولتتحرك المياه الراكدة كلها.


-استعيدوا اليمن أولًا... ثم اختلفوا على اليوم التالي.-


فإذا استعدنا الدولة والجمهورية، عاد الاختلاف السياسي إلى مكانه الطبيعي: -اختلافًا على البرامج والرؤى والوسائل، لا اقتتالًا على وطن لم نستعده بعد.-