ليست الإعاقة في فقدان حاسة من الحواس، وإنما في أن يفقد الإنسان قدرته على رؤية الحق والإنصاف والرحمة. وقد علّمنا ديننا الإسلامي أن البصيرة أعمق من البصر، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه من حواس، وإنما بما يملكه من إرادة وعلم وأخلاق وقدرة على تجاوز الصعوبات.
قال الله تعالى في محكم آياته:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
صدق الله العظيم.
هناك مواقف لا تحتاج إلى كثير من الكلام، بل تحتاج إلى ضمير حي يرى الإنسان قبل أن يرى إعاقته، ويقرأ النجاح قبل أن ينظر إلى الظروف التي أحاطت به.
ومن هنا، فإنني أتساءل: هل نستطيع أن نصف طالبًا كفيفًا حصل على معدل 97% في الثانوية العامة بأنه مجرد «فاقد للبصر»؟
هذا الطالب فقد نعمة البصر، لكنه امتلك ما هو أعظم: الإرادة والعزيمة والبصيرة والإصرار على النجاح.
ولذلك، فإنني أرى أن السؤال الحقيقي ليس: كيف استطاع طالب كفيف أن يحقق 97%؟ بل السؤال هو:
كيف يمكن لمؤسسات الدولة أن ترى هذا التفوق ولا تتحرك لدعمه؟
إذا كان هذا الطالب استطاع أن يصل إلى هذا المستوى من التفوق رغم فقدانه للبصر، فماذا يمكن أن يحقق إذا وجد الرعاية الكاملة، والإمكانات المناسبة، والمنحة الدراسية التي تساعده على مواصلة تعليمه الجامعي؟
هذا الطالب لا يحتاج إلى الشفقة، وإنما يحتاج إلى حقه في الفرصة.
ومن هنا أتوجه إلى وزارة التربية والتعليم، وصندوق رعاية وتأهيل المعاقين، والجهات المعنية بذوي الإعاقة، وكل من يستطيع أن يقدم يد العون لهذا الطالب، بأن يتحملوا مسؤوليتهم تجاهه.
كما أتوجه بشكل خاص إلى جامعة عدن، الجامعة الحكومية الرسمية، وأتساءل:
أين صوت جامعة عدن؟
لماذا لا تبادر الجامعة إلى احتضان هذا الطالب المتفوق ومنحه فرصة لمواصلة دراسته الجامعية؟
في عدن جامعات ومؤسسات تعليمية كثيرة، لكن جامعة عدن تظل الجامعة الحكومية الرسمية، ومن حقنا أن نأمل منها أن تكون في مقدمة المؤسسات التي تحتضن مثل هذه النماذج المشرفة.
كما أتمنى من الدكتور الخضر ناصر لصور، الذي عرفته إنسانًا معطاءً وداعمًا للعلم والتعليم، أن ينظر إلى قصة هذا الطالب بعين المسؤولية والإنسانية، وأن يبادر إلى تقديم منحة دراسية له تساعده على إكمال تعليمه الجامعي.
لقد فرح هذا الطالب بتفوقه، ومن المؤلم أن تتحول فرحته إلى خيبة بسبب عدم وجود من يقف إلى جانبه.
وكما تم إنصاف الطالبة رؤى واعتمادها الأولى على مستوى محافظة المهرة، وحصولها على منحه فإننا نأمل أيضًا أن يجد هذا الطالب من ينصفه، ويعيد إليه فرحته، ويؤكد له أن تفوقه لم يذهب سدى.
رسالتي إلى الجميع
لا تجعلوا إعاقته تحجب عنكم تفوقه.
لا تنظروا إليه باعتباره «كفيفًا»، بل انظروا إليه باعتباره طالبًا متفوقًا حصل على 97% رغم كل الصعوبات.
إن من يفقد بصره يستطيع أن يرى طريق النجاح، لكن المشكلة حين يفقد من حوله بصيرتهم بحقوقه وقدراته.
هذا الطالب لا يريد صدقة، ولا يريد شفقة.
هو يريد فرصة.
فهل تكون جامعة عدن، أو وزارة التربية والتعليم، أو صندوق رعاية وتأهيل المعاقين، أو أحد رجال الخير، صاحب المبادرة الأولى لفتح باب المستقبل أمامه؟
أتمنى أن تصل هذه الرسالة إلى من يستطيع أن يصنع لهذا الطالب فرقًا حقيقيًا في حياته. وهو في بلده لا هو وافد ولا هو لاجئ ولا مهاجر هو ابن البلد.. والام اولى باحتضان ابنائه.
إن فقدان البصر لم يمنع هذا الطالب من أن يرى طريق النجاح، ولذلك فإن «العمى الحقيقي» في رأيي هو أن نرى تفوقه ثم نعجز عن رؤية حقه في الدعم والرعاية.
لقد كُسرَت فرحة هذا الطالب، بعد أن كان من حقه أن يحتفل بإنجازه وتفوقه. وكما تم إنصاف الطالبة رؤى واعتمادها الأولى على مستوى محافظة المهرة، فإننا نأمل أن يجد هذا الطالب أيضًا من ينصفه، ويعيد إليه فرحته، ويمنحه فرصة حقيقية لمواصلة تعليمه.
الإنسان قد يفقد بصره، لكنه لا يفقد حقه في التعليم والحياة والمستقبل.
ولنكن جميعًا ممن يرون الإنسان بقلوبهم، قبل أن يحكموا عليه بأعينهم.
/
/
/
/
فردوس العلمي = مجرد قلم