من مطبّات اليمن في طريق استعادة الدولة

السبت - 29 أغسطس 2026 - 11:58 م


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

المطب عندنا لا يسبقه تحذير، ولا تراه إلا وأنت فوقه؛ يرتفع في الشارع كأنه جسرٌ لمبنى لم يُبنَ بعد، فيأكل السيارة ويهزّ الركاب، وإن كان في السيارة حامل أو مريض، فله مع المطب حكاية أخرى!


وبالقياس، طريق استعادة الدولة اليمنية ليس طريقًا معبّدًا فحسب؛ إنه -حقل مطبّات-. بعضها صنعه الحوثي، وبعضها صنعته الحرب، وبعضها ـ وهذه هي المفارقة المرة ـ -تصنعه الدولة وهي تقول إنها تستعيد الدولة!-


-أول المطبات: المرحلة الانتقالية التي لا تريد أن تنتقل.-


تبدأ مؤقتة، ثم -تستطيب المقام-، فتؤجَّل الانتخابات بحجة عدم اكتمال التحرير وإنهاء الانقلاب. ولا شك أن للحرب ظروفها؛ فلا يمكن إجراء انتخابات وطنية مكتملة في بلد ما يزال جزء كبير من ناخبيه خاضعًا لسلطة الانقلاب، كما أن إجراءها في مناطق سيطرة الشرعية وحدها قد يحوّل الانتخابات من استحقاق وطني إلى تكريس للانقسام. لكن هذا الظرف الاستثنائي لا ينبغي أن يتحول إلى إقامة دائمة، ولا أن يصبح التأجيل هو القاعدة؛ كما لا ينبغي أن يتحول بقاء بعض قيادة السلطة الشرعية خارج البلاد، الذي فرضته ظروف الحرب، إلى وضع دائم يُتعامل معه كأنه من طبيعة الدولة.

فالعودة إلى الانتخابات والديمقراطية ليستا ترفًا يُؤجَّل إلى ما بعد استعادة الدولة؛ بل -هما من صميم الدولة التي نريد استعادتها-، ومن أهم الحوافز التي ينبغي أن تدفع إلى إنهاء الانقلاب واستكمال التحرير. يجب أن يكون واضحًا أن الطريق إلى الانتخابات يمر عبر استعادة الدولة، وأن الانتخابات نفسها تظل -غاية معلنة وحافزًا سياسيًا للحسم-، لا ذريعة لتأجيله.


أما أن ننتظر انتهاء الانقلاب لإعادة الديمقراطية، ثم نعتاد غياب الديمقراطية بحجة استمرار الانقلاب، فهنا ينقلب المؤقت على غايته، وتتحول المرحلة الانتقالية إلى نظام، والاستثناء إلى قاعدة، -والتأجيل إلى نهج دائم.-


والدول لا تُبنى بانتظار اللحظة المثالية؛ بل تُبنى من وسط الأزمات، وتعمل قياداتها على إنهاء الأزمة، -لا تحويلها إلى نظام، ولا المؤقت إلى ديمومة.-


ويُركن الدستور جانبًا، وتتحول المرجعيات التوافقية والاستثنائية التي فُرضت اضطرارًا ومراضاةً إلى مرجعية دائمة، حتى يصبح الدستور هو الاستثناء، والاستثناء هو الدستور.


وهكذا يصبح المؤقت -أطول عمرًا من الدائم-، والتوافق المؤقت نظامًا سياسيًا دائمًا، وتتحول الدولة من مشروع لاستعادة المؤسسات إلى «مرحلة» مفتوحة لا نعرف -أين تبدأ، ولا متى تنتهي، ولا من المستفيد من أن تظل مفتوحة إلى الأبد!-


-ثم مطب الردع المتكامل.-


نرد على الحوثي إذا ضرب، ونردعه إذا صعّد، ونعلن الجاهزية، ونؤكد امتلاك زمام المبادرة، ونَعِد بأن التصعيد سيكون أكثر كلفة؛ لكن المواطن الذي أكلته الحرب لا يحتاج إلى انعقاد اجتماعات مشتركة ودائمة لمجلس القيادة الرئاسي، ولا إلى بيان طويل ليسأل سؤالًا واحدًا وبسيطًا: إلى -أين يمضي كل هذا الردع؟-



فالردع وسيلة، وليس مشروع دولة. وإذا لم يكن وراءه أفق سياسي وعسكري واضح لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، فإنه قد ينزلق ـ من حيث لا يريد أصحابه ـ من كونه طريقًا إلى الحسم إلى -تطبيع الواقع، وإدارة محسّنة للانقلاب.-


فالذي يريد استعادة الدولة لا يكفيه أن يجعل الانقلاب أكثر كلفة؛ يريد أن يجعل -بقاءه مستحيلًا.-


والشعب لا يريد ردعًا يتقن فن إبقاء النار تحت الرماد، ولا يريد أن يتعلم كيف يعيش مع الانقلاب بأقل الخسائر؛ يريد أن تنتهي الحالة التي جعلت من الاستثناء حياة، ومن الحرب وضعًا دائمًا، ومن الدولة مشروعًا مؤجلًا.


-فالردع الذي لا يفتح طريق الحسم قد يصبح، بعد طول استعمال، اسمًا آخر لإدارة الأزمة. والشعب لم يعد يريد إدارة أزمته؛ يريد استعادة دولته.-


-وهناك مطب اسمه تدوير الفشل.-


يفشل المسؤول، فلا يغادر؛ -يُنقل-. يفشل في الموقع الجديد، فلا يُحاسب؛ -يُرقّى-. ثم قد يعود إلى موقعه الأول، وهذا في اليمن أمر عادي إلى درجة أن عودة المسؤول إلى المكان الذي فشل فيه لا تثير دهشة أحد، وكأن الدولة اكتشفت بعد كل تلك التجارب أن المشكلة لم تكن في أدائه، وإنما في -سوء اختيار الكرسي له!-


حتى صار الفشل عند بعضنا ليس سببًا لإنهاء الخدمة، بل -خبرة تُضاف إلى السيرة الذاتية-؛ وكلما أكثر المسؤول من إخفاقاته، اتسعت دائرة المواقع التي يمكن أن يُجرّب فيها إخفاقًا جديدًا.


وهكذا لا يعود السؤال: ماذا أنجزت؟ بل: -أين لم تفشل بعد؟-


-ثم مطب القرار.-


فالقرارات ليست كلها تسير في الطريق نفسه؛ هناك قرار جمهوري له مساره المؤسسي، يبدأ من الجهة المختصة، ويمر بمجلس الوزراء ومجلس القيادة الرئاسي، حتى ينتهي ـ بعد استكمال أسبابه وإجراءاته ـ قرارًا جمهوريًا. وهذا، في الأصل، هو معنى الدولة.


لكن إلى -جواره نشأ مسار آخر: قرار رئاسي يولد من فوق، بالتوافق والتراضي والترضية، ثم يصبح نافذًا قبل أن يُسأل عن مساره، وأحيانًا يُرقّم القرار ولا يُنشر في الجريدة الرسمية، وكأن النشر الذي يمنحه صفته العامة صار تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه.-


وهنا لا تعود المشكلة في شخص من عُيّن فقط، بل في -الطريق الذي وصل به إلى المنصب-: هل اختارته مؤسسات الدولة، أم اختارته موازين النفوذ؟


حتى أصبح بعض التعيين في اليمن لا يسأل: من الأقدر؟ بل: -من الذي اتُّفق عليه، ومن الذي سبقتْه دعوة الوالدة إلى كرسيّ القرار؟-


وهذه ليست مطبّة في الطريق فحسب؛ إنها مطبّة في فكرة الدولة نفسها.


-ثم مطب المحاصصة-؛ ذلك الداء الذي لم يعد يعرف حدًا يقف عنده. بدأ بالمناصب والوظائف، ثم أخذ يتمدد حتى طرق باب التعليم.


في الوظيفة العامة، صارت المناصب في أحيان كثيرة حصصًا تُوزع، والمواقع غنائم تُقتسم، والتعيين فاتورة تُسدّد، والكفاءة ضيفًا يُستدعى إذا انتهت حصص أصحاب النفوذ.


لكن أن تصل المحاصصة إلى -التعليم- فهنا يصبح المطب أكثر غرابة ومرارة.


تأخذ الوزارة الأول من كل محافظة، ثم تجعل منهم أوائل الجمهورية، وكأن التفوق يحتاج إلى تمثيل جغرافي، ولكل محافظة مقعد محجوز في قائمة المتفوقين! فإذا كان في محافظة واحدة عدد من الطلاب أعلى معدلًا من أوائل محافظات أخرى، يُستبعد بعضهم حتى لا تختل «التركيبة».


-أيُعقل أن نُحاصص العلم كما نحاصص السلطة؟-


كرّموا الأول في محافظته، نعم؛ لكن قائمة أوائل الجمهورية يجب أن تكون للمتفوقين في الجمهورية، لا لتمثيل المحافظات في الجمهورية. فالطالب لا يدخل الامتحان ممثلًا لمحافظته، ولا يحمل درجته نيابةً عنها؛ ينافس بعلمه وجهده، ولذلك يجب أن يحكمه معيار واحد: -الاستحقاق-.


إذا كان الخمسة الأعلى درجات من محافظة واحدة، فليكنوا الخمسة الأوائل. وإذا جاء العشرة من محافظة واحدة، فليكنوا العشرة؛ -فالعلم لا يعرف نظام «واحد لكل محافظة».-


وحين تصل المحاصصة إلى كشف الدرجات، فاعلم أن المطب لم يعد في طريق الدولة؛ -لقد بدأ يحفر داخلها.-


-ثم مطب اليوم التالي.-

وهذا مطب لا يظهر في البيانات، لكنه قد يكون حاضرًا في الحسابات: الخوف من اليوم الذي يلي التحرير؛ من سيحكم؟ ومن ستكون له اليد العليا؟ ومن سيخسر موقعه إذا استُعيدت الدولة؟ وهل يمكن أن يؤدي انتصار مكوّن إلى تمكين مكوّن آخر؟


وهنا قد يصل الأمر إلى أن -يُعرقل بعض القادة طريق التحرير، لا حبًا في بقاء الحوثي-، وإنما خوفًا مما بعد الحوثي؛ فلا يريد أن ينتصر خصمه الداخلي بقدر ما يريد أن تُهزم الجماعة المسلحة.


وهذه كارثة في التفكير السياسي؛ لأن تحرير صنعاء لا ينبغي أن يكون انتصار مكوّن على مكوّن، وإنما -انتصار الدولة على الانقلاب-.


-فهل نعطل تحرير وطن كامل حتى لا يربح شريك محتمل غدًا؟-


ومن يخشى أن يأتي اليوم التالي بخصم سياسي أقوى، قد يقبل ـ من حيث لا يريد ـ أن يبقى اليوم الحالي أسيرًا لخصم مسلح، -سلاليّ المشروع-، منقلب على الجمهورية ونظامها.


-فمن يخشى من يحكم بعد التحرير، قد ينتهي به الحساب إلى القبول بمن يحكم قبل التحرير.-



-ثم مطب استخدام السلاح لفرض الواقع في المؤسسات التعليمية.-


فحين تُنتزع مدرسة بقوة السلاح، ويُفرض التواجد الأمني في محيطها لتغيير وظيفتها ـ كما في حالة مدرسة 22 مايو في تعز ـ فإن المطب لا يعود في المبنى وحده، بل في -فكرة المؤسسة نفسها-: أن يُفرض تغيير وظيفتها بالقوة، بدل أن يُحسم الأمر بالقانون، وبما يراعي الفروق الهندسية والأكاديمية والمعملية بين التعليم المدرسي والتعليم الجامعي. وهنا لا يعود السلاح مجرد أداة خارج المؤسسة؛ بل يصبح وسيلة لفرض الأمر الواقع داخلها، فيترسخ في وعي المجتمع والأطفال أن -النفوذ أقوى من القانون-، وأن المؤسسة التعليمية يمكن أن تُنتزع من وظيفتها بالقوة.


وفي الاتجاه الآخر، قد يتحول التعليم نفسه إلى مطب آخر حين تُحجب مرتبة طالبة متفوقة لأنها سورية الجنسية. إن صح أن الجنسية هي سبب الاستبعاد، فهذه ليست عدالة بين المحافظات؛ -إنها مطب أخلاقي قبل أن يكون إداريًا، وعور قانوني إن لم يسنده نص، وسلوك تمييزي لا يليق بدولة تقول إنها تستعيد مؤسساتها.-


فالدرجة لا تعرف جغرافيا، ولا تحمل جواز سفر، والتفوق لا يعبر الحدود بجواز ولا يحتاج إلى تأشيرة. والمدرسة التي تعلمت فيها رؤى لم تسألها يوم دخلت بابها: -من أي بلد جئتِ؟ فلماذا تسألها الدولة عند باب التكريم؟- لقد قبلتها المدرسة طالبة، ودرست مع أبنائها، وجلست معهم في مقاعد واحدة، وخاضت معهم الامتحان نفسه، وحصلت على درجتها بجهدها؛ فإذا جاء يوم التكريم -تذكّروا فجأةً أنها سورية! فإن كانت سورية عند باب التكريم، فلماذا لم تكن سورية عند باب الامتحان؟- والعلم لا يُمنح بالجنسية، والتفوق لا يُسحب بالجنسية.


-ثم مطب المنافذ والموارد-: دولة تقول إنها تستعيد مؤسساتها، بينما تتعدد الأيدي على المنافذ والإيرادات، ويصبح المال العام قابلًا للمجاملة والاستثناء والتوجيه والتسوية.


-ثم مطب الولاءات الخارجية.-


وقد قرأت للدكتور عبد الملك المخلافي، نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأسبق ونائب رئيس هيئة التشاور والمصالحة، أن الدبلوماسي يجمع المعلومات لبلده، وهذه وظيفته؛ وهذا مفهوم. لكن حين يسارع مسؤول يمني إلى تقديم ما لا ينبغي أن يخرج من مؤسسات دولته، أو يجعل من السفارات منصات للشكوى على زملائه وطلب المواقع، فالمشكلة لم تعد في الدبلوماسي الذي يؤدي وظيفته، بل في -اليمني الذي نسي لأي دولة يعمل.-


وهكذا تتكاثر المطبات: مطب في السياسة، ومطب في الإدارة، ومطب في الاقتصاد، ومطب في التعليم، ومطب في الولاءات، حتى أصبح السؤال ليس: -كيف نستعيد الدولة؟-


بل: -من الذي يضع كل هذه المطبات في طريق استعادتها؟-


فالمطبات التي تحتاجها اليمن ينبغي أن تكون أمام تمدد الحوثي، وأمام الفساد، وأمام الفيد والتهريب ونهب الموارد.


لا -أمام طفل يحمل حقيبته، ولا أمام طالب يحمل شهادة تفوقه، ولا أمام مواطن يبحث عن دولة.-


فالطريق إلى الدولة لا يستقيم إذا كانت الدولة نفسها هي التي تحفر فيه الحفر.


-وأسوأ ما قد يحدث أن نستعيد صنعاء ذات يوم، ثم نكتشف أن الذين استعادوا المدينة لم يستعيدوا بعدُ فكرة الدولة.-


وحينها سنكون قد أزلنا مطبًا كبيرًا من الطريق، وتركنا المطبات الصغيرة -تصنع لنا انقلابًا آخر.-