إلا الرئيس.. غاب عن ذكرى التأسيس.. لماذا؟

الخميس - 27 أغسطس 2026 - 10:06 م


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

«إذا عُرف السبب بطل العجب».. في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، تحدث الشيخ سلطان البركاني، والدكتور أحمد عبيد بن دغر، وأحمد علي عبدالله صالح، وغيرهم، إلا الرئيس رشاد العليمي؛ الرئيس الذي كان يفترض، بحكم موقعه وانتمائه للمؤتمر، أن يكون حاضرًا في هذه المناسبة، متلقيًا التهاني والتبريكات، لا غائبًا عنها.


هل كان الغياب بسبب عمق الخلافات داخل المؤتمر؟ أم لأن الرئيس، بوصفه رئيسًا لكل اليمنيين، لم يشأ أن يخص حزبه بكلمة في مناسبة حزبية؟ أم لأنه منشغل بمعركة أكبر، هي معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب؟ لا أريد أن أجزم بالسبب، لكن غيابه وسط هذا الزخم المؤتمري يظل سؤالًا مشروعًا ودلالة تستحق التوقف.


وبغض النظر عن سبب الغياب، يبقى سؤال آخر أكثر دلالة: لماذا لم تبادر قيادات المؤتمر إلى تهنئته بذكرى تأسيس حزبهم؟ ولماذا لم تفعل ذلك بقية الأحزاب، التي بادرت إلى تهنئة قيادات وشخصيات مؤتمرية وتبادلت معها التهاني، بينما غاب رئيس الجمهورية، وهو أحد أبناء المؤتمر، عن هذه التهاني؟


وهنا لا بد من تذكير المؤتمريين وغير المؤتمريين بما هو أوضح من الاجتهادات السياسية: فالنظام الداخلي للمؤتمر الشعبي العام ربط بين رئاسة الجمهورية ورئاسة المؤتمر، ونص على أن رئيس الجمهورية هو رئيس المؤتمر متى انطبقت عليه الشروط التنظيمية. ولم يكن ذلك تفصيلًا هامشيًا، بل قاعدة تنظيمية ارتبط بها تاريخ المؤتمر منذ تأسيسه، وظل هذا التقليد قائمًا حتى دخول البلاد في تعقيدات الأزمة السياسية، وصولًا إلى المرحلة الانتقالية في عهد الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي، رحمه الله، حيث شابت التطبيق تجاذبات ومناكفات أضعفت الحزب والدولة معًا.


ومن هنا، فإن المسألة اليوم ليست مطالبة الرئيس بأن يكون رئيسًا لحزب على حساب رئاسته لكل اليمنيين، ولا مطالبة المؤتمريين بالتنازل عن حقهم في إدارة حزبهم؛ وإنما تذكيرهم بأن رئيس الجمهورية المنتمي إلى المؤتمر ليس خصمًا لهم ولا منافسًا على المؤتمر، بل هو أحد أبنائه، وموقعه الوطني والدستوري يستحق منهم الالتفاف والدعم. أما الخلافات التنظيمية، فمكانها مؤسسات المؤتمر وقواعده، لا البيانات والمناكفات ولا صناعة المراكز المتوازية.


أما أن يتسابق قياديون على الحديث باسم المؤتمر، ويتنازعون مرجعياته، ويختلفون حول من يملك حق تمثيله، فهذه ليست استعادة للمؤتمر، بل تعميق لأزمته. وبدل أن تكون ذكرى التأسيس مناسبة لتوحيد صفوفه وتوجيه قوته نحو المعركة الوطنية، تحولت عند البعض إلى ساحة أخرى لصراعات الأمس.


وهنا أقول للمؤتمريين: اعقلوا وتوحدوا.


هل وعدكم الخارج بإعادة السلطة إليكم وحدكم حتى تنشغلوا الآن بخطط الحكم وتقسيم المواقع ورسم صورة اليوم التالي؟ ومن قال إن المستقبل سيأتي على طبق جاهز لمن يتصارعون اليوم على وراثته؟


الحقيقة القاسية أن المؤتمر دفع، مثل غيره من اليمنيين، ثمن انقساماته وأخطاء ماضيه. لكن السؤال الأوسع: كيف استطاع الحوثي أن يبقى أكثر من عشر سنوات، وأن ينتقل من مجرد مليشيا انقلابية إلى قوة لها تأثير يتجاوز الداخل اليمني؟ هنا أيضًا «إذا عُرف السبب بطل العجب». فقد ظل الانقسام السياسي والحزبي اليمني، عموديًا وأفقيًا، أحد أهم العوامل التي أطالت عمر الانقلاب؛ أحزاب وقيادات وكوادر تتعامل مع الحوثي في مناطق سيطرته باعتباره أمرًا واقعًا، فيما تتعامل في مناطق الشرعية مع الشرعية نفسها، وتبقى المواقف موزعة ومتناقضة، بل ومبررة أحيانًا من داخل هذه الأحزاب ذاتها. ولا شك أن المؤتمر، بما له من ثقل تاريخي وسياسي، يأتي في مقدمة القوى التي أصابها هذا الانقسام، ولا يزال بعضه أسيرًا له حتى اليوم.


ولذلك فإن معركة المؤتمريين الأولى ليست مع بعضهم، ولا مع «تيار» هنا أو «قيادة» هناك، وإنما مع الحوثي الذي صادر الدولة وأهان مؤسساتها وأخضع الناس بالقوة. والمؤسف أن يصل الخلاف إلى أن يرى بعض المؤتمريين في صنعاء قيادةً ينبغي الاعتراف بها رغم خضوعها للحوثي، بينما يرفض آخرون الرئيس العليمي ويبحثون عن رئيس آخر للمؤتمر، فيما يحمّل آخرون المملكة مسؤولية التأخير، وكأن المطلوب منها أن تقاتل نيابة عن اليمنيين.


وفي المقابل، يأتي صوت عادل الهرش ليقدم مراجعة مؤتمريّة شجاعة: نعترف بأخطائنا، نغلق دفاتر الماضي، نقف مع مجلس القيادة والجيش الوطني، ونتوحد مع بقية القوى، ثم نترك للشعب، بعد استعادة الدولة، أن يختار من يحكمه.


وهذا هو الكلام الذي يحتاجه المؤتمر اليوم.


يا مؤتمريين، لا تجعلوا ذكرى التأسيس مناسبة لاستعادة صراعات الأمس، بل مناسبة لاستعادة المؤتمر نفسه: مؤسسةً موحدة، وشريكًا وطنيًا، وقوةً في معركة الجمهورية.


حرروا صنعاء أولًا، واستعيدوا الدولة أولًا، وأوقفوا الانقلاب أولًا. وبعدها افتحوا كل الملفات، وترشحوا جميعًا، واختاروا من تشاؤون؛ فصندوق الاقتراع هو الذي يقرر من يحكم، لا البيانات ولا المناكفات ولا ادعاء امتلاك المؤتمر.


أما اليوم، فالحوثي أمامكم، لا خلفكم.


فإن لم تتوحدوا، فاتركوا بقية الشعب اليمني يتوحد ويحرر، ولا تشوشوا على معركته بمناكفاتكم.


وجمعتكم جميعًا مباركة مقدمًا..