اليمن أمام مفترق الطريق استعادة الدولة أم إطالة الحرب؟

الخميس - 27 أغسطس 2026 - 04:12 م


عارف ناجي علي
بقلم: عارف ناجي علي
ارشيف الكاتب

لم يعد الواقع اليمني اليوم يحتمل مزيدا من ادارة الازمات بالمسكنات ولا مزيدا من التعامل مع الحرب باعتبارها حالة دائمة فاليمن يقف امام واقع سياسي واقتصادي وعسكري بالغ التعقيد فيما يدفع المواطن وحده ثمن استمرار الصراع وتراجع مؤسسات الدولة وتدهور الاقتصاد وتعدد مراكز النفوذ والقرار.


ومع كل هذا فان الحديث عن مستقبل اليمن يجب الا ينطلق من الخصومة مع الأشقاء بالمملكة السعودية والامارات فمهما اختلفنا معهم في بعض المواقف او السياسات يظل الاشقاء شركاء اساسيين لليمن وقد اسهموا لدعمهم الانساني والسياسي والامني والاقتصادي في منع مزيد من الانهيار وفي دعم قدر من الاستقرار في اليمن والمنطقة وتحرير المحافظات الجنوبية والمطلوب ليس القطيعة وإنما بناء علاقة متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والسيادة اليمنية.


ان استعادة الدولة وإسقاط انقلاب المليشيات لا يبدأان بالبيانات ولا بتعدد القرارات والتعيينات وانما يبدأان من الداخل من عودة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ومجلس النواب والتشريعي الى الوطن وممارسة مسؤولياتهما من داخل مؤسسات الدولة وإعادة بناء جهاز اداري يقوم على الكفاءة والنزاهة بعيدا عن المحاصصة والمجاملة.


والمجلس الرئاسي امام مسؤولية تاريخية تتجاوز اصدار القرارات وتوزيع المناصب فالاولوية يجب ان تكون لانهاء الحرب وترسيخ السلام وتعافي الاقتصاد واعادة بناء الإدارة المالية وعودة مؤسسات الدولة ووضع حد لحالة الاعتماد على المعاشات والمخصصات الخارجية وبناء اقتصاد اكثر صمودا واستقرارا ينعكس على حياة المواطن.


وفي المقابل فان القوى الوطنية في الشمال والجنوب مطالبة اليوم بان تكون اكثر ارتباطا وتنسيقا وتوحيدا في مواجهة مشروع الحوثيين وصولا الى تحرير صنعاء واستعادة الدولة وافشال المشروع الكهنوتي المرتبط بالمشروع الإيراني.


لكن توحيد الصف الوطني لا يعني تجاهل القضية الجنوبية او تاجيلها الى اجل غير مسمى بل يعني ادراك لن معالجة القضايا الوطنية لا يمكن ان تتم بالقوة او الاقصاء، وانما بالحوار والتوافق والشراكة العادلة.


ومن هنا تاتي اهمية التدرج في الحوار الوطني بدءا من حوارات داخلية شمالية - شمالية وجنوبية - جنوبية تساعد كل طرف على ترتيب بيته الداخلي وتقليص انقساماته وبناء رؤية اكثر وضوحا لقضاياه وصولا الى حوار شامل شمالي - جنوبي حوار يجب لن يفتح الطريق امام صياغة شراكة سياسية عادلة ومناقشة شكل الدولة وتوزيع وادارة الموارد والمصالح المشتركة وضمانات الشراكة السياسية بما ينقل اليمن من مرحلة الصراع على السلطة الى مرحلة التوافق على الدولة.


ولعل اخطر ما يواجه اليمن اليوم ان الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بل تحولت إلى منظومة مصالح مرتبطة باقتصاد الحرب فالجبايات غير القانونية ونقاط التحصيل غير الرسمية والرسوم التي تفرض على حركة الشاحنات والبضائع والتهريب والسوق السوداء وغياب الرقابة كلها اصبحت لعباء اضافية يتحملها المواطن والتاجر والمنتج بينما تستفيد منها شبكات ومراكز نفوذ متعددة.


ولهذا فان اصلاح الاقتصاد لا يبدا فقط من البحث عن المنح والقروض بل من تجفيف اقتصاد الحرب

ويحتاج ذلك الى إلغاء الجبايات غير القانونية وتفكيك نقاط التحصيل غير الرسمية ومكافحة التهريب وتجفيف شبكات السوق السوداء وتفعيل الأجهزة الرقابية والمحاسبية وضمان توريد الايرادات إلى الحساب المركزي للدولة وإخضاع المال العام للشفافية والرقابة فلا يمكن ان نتحدث عن دولة قوية بينما تتعدد مراكز تحصيل الايرادات ولا يمكن بناء اقتصاد مستقر بينما تستنزف موارد البلاد خارج المؤسسات الرسمية.


ولفهم المازق اليمني لا بد من العودة إلى جذوره الداخلية فلخفاقات بناء الدولة وفشل القوى السياسية المتعاقبة في ارساء مؤسسات حديثة وعادلة بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر والتعقيدات التي رافقت مرحلة ما بعد الوحدة وضعف مؤسسات الدولة والأزمات السياسية والاقتصادية المتراكمة والتوترات التي تصاعدت في الجنوب بين السلطة في صنعاء والحراك السلمي الجنوبي كلها عوامل ساهمت في اضعاف الدولة وتهيئة بيئة استغلها انصار الله الحوثيون للانقلاب على مؤسساتها.


لكن مسؤولية اطالة الحرب اليوم لا يمكن تفسيرها بالعوامل الداخلية وحدها اذ اصبحت اليمن ايضا ساحة لتضارب اجندات النفوذ والصراع على المصالح والمواقع الاستراتيجية خصوصا في ظل اهمية موقع اليمن واشرافه على باب المندب والممرات البحرية الدولية وهنا تتداخل الحسابات اليمنية مع الحسابات الاقليمية والدولية لتصبح الحرب اكثر تعقيدا من مجرد صراع داخلي على السلطة.


اليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من اعادة توزيع الحقائب والمناصب بقدر ما يحتاج الى اعادة بناء الدولة والى قيادة سياسية تنظر الى المواطن قبل الموقع والى الاقتصاد قبل المحاصصة والى مؤسسات الدولة قبل مراكز النفوذ والى السلام باعتباره مشروعا وطنيا لا مجرد هدنة مؤقتة كذلك الى قوى وطنية تدرك ان الخلافات السياسية يمكن لن تبقى قائمة لكن لا ينبغي ان تتحول الى مبرر لتفكيك الدولة لو اضعاف الجبهة الوطنية.


لن الطريق إلى اليمن الذي نريده لن يكون سهلا لكنه يبدل من الاعتراف بان استمرار الوضع الراهن ليس حلا ولن استعادة الدولة لا تعني العودة الى اخطاء الماضي بل بناء دولة جديدة اكثر عدلا وشراكة ومؤسسات.


اليمن بحاجة اليوم الى شجاعة سياسية تضع حدا لاقتصاد الحرب وتفتح باب الحوار وتعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة وتوحد القوى الوطنية وتبني علاقة متوازنة مع الأشقاء وتضع المواطن في مقدمة اولوياتها.